الفزاعة
23-08-2007, 07:17 PM
لا يبرح مكانه أبدا منذ نصبوه في هذا الجزء من العالم ، لم يفلت من ملاحظة أعينهم وملاحقتها
له باستمرار ..إنه محط أنظارهم..تماما مثل أي حاكم .. فالأفئدة والقلوب تهفو إليه ،والألســـــن
والجوارح ممسكة ..إلا عنه...أوكلوا إليه شؤون الرعاية والحراسة...شؤون الرعية لا يديرها إلا من يتفرغ لها مثله،..لا تثنيه العواصف والأنواء ، لا الصقيع ولا الزمهرير، لا الصيف ولا الشتــــــاء،
في استرخاء الطبيعة وهيجانها..دائما ينتصب متحديا..ولعل عيبه الوحيد الذي لا يليق بمقامه كأي حاكم هو رأسه المنكسة.
ينتقل الزوار إليه فيستقبلهم منشغلا عنهم وعما حوله من الحياة ، يتقربون بالعناق والمصافحة إليه، و يتوددونه بعبارات المجاملة والنفاق، فلا يلقي إليهم بالا، ولا يعيرهم اهتماما، ولا يكلف
نفسه عناء الرد على سلامهم، ومشقة الحديث إليهم.
عيون الأقوام ترنو إليه..وعيناه حالمتان في الآفاق المنكمشة بين رجليه، تنسجان له عالمه الخاص في خياله الواهي ، أو في قوقعته الهادئة البعيدة عن صراع الحياة ..الحياة الطاحنة الصاخبة بما فيها من آمال وإحباطات.
بقامة ممشوقة مكتنزة أو هكذا تبدو ـــ رغم خوائها من الداخل تماما مثل الرأس ــ انتصب لا
يحرك ساكنا ولا يلوي على شي ء ، لا يؤثر ولا يتأثر ، فدورة الزمن وفوائد الدهر صقلها فلا
تريانه إلا ما يرضيه و يناسبه .. وليس للانفعالات سبيل إلى وجدانه ، ففؤاده سيبقى و إلى الأزل
مترعا لم يتورط ، ولم يخض أي تجربة عاطفية ، وما ذاق يوما مرارة الفشل .. حتى الحروب
يتلقى هزائمها بقبول وانتشاء .. تغتصب أرضه و تهان كرامته ، وتصادر حريته فلا يمانع أو يعترض
أو يمتعض .
وجهه الصغير بملامحه غير الدقيقة و غير المعبرة تنم عن انفصام الشخصية ، أو تلاشيها ..
و أدران عمامته يعكس الران الذي يعلو قلبه ،.. فذهب حياؤه و اختفت معالم رجولته ، ..
نزل الندامى ، وحط السكارى و الشواذ و المأبونون بأرضه ، فنالوا من عرضه و شرفه ، عربدوا
زاغوا ، سرقوا ، نهبوا.. و تجشموا على السطو على جيرانه.. ووجدوا عنده الأمن و الأمان ،
و الدفء و السلام ، فقرت أعينهم وناموا تحرسهم عيناه وتكلؤهم رعايته .
انتشر الجراد يأكل الزرع ويهلك الضرع ، فوقف يتأمله مشلول اليدين ، ولسان حاله ينطق
بفلسفة خرساء تأتي على الأعصاب و العواطف فتميتها و تقبرها ، .. مرت على تنصيبه حقبة
أجيال ثلاثة ..تعرفه الأجيال لكنه يجهلها كجهله لأمه و يومه و غده... لقد انحسر عنده الزمن
وانعدم ..حتى الأيام لم تترك آثارها على قسمات وجهه فاختفت التجاعيد منه ..ولم يعرف
الاحديداب إلى ظهره طريقا ..
أوهمه غارسوه أن عدالته هي المثلى ، وأنه لا يظلم رعيته مثقال ذرة .. وأن قفازه الحريري
يخفي يدا حديدية .. كان لا يرى إلا من الزاوية التي وضعه فيها زارعوه ،يكفيه أن يعلم
المشرق .. أما المغرب .. فوراء ظهره..
اشتد الحر هذا الصيف، وهاجت معه الأحياء من الخلق.. خرجت الهوام من جحورها ،
والأسد من غاباتها تتقدم الوحوش الضارية..وبلغ الخبر مسامع الطيور الجارحة ن فأقبلـــــت
لتشارك في الهجوم الكاسح.. دكوا الحصون الواهية ، وأذلوا العرش إذلالا،.. مادت الأرض تحت
الأقدام ..قضي على الأخضر واليابس .. لـكن فاه لا زال يفتر عن ابتسامته الدائمة غير آبــه
بهذا الزلزال العنيف ..وامتدت ألسنة اللهب إليه، وإلــى الفزاعات التي جمعها النــــــــاس
وتخلــــــصوا منها ..فزاعات كانت تملأ المكان و الزمان وهما و خرافة
له باستمرار ..إنه محط أنظارهم..تماما مثل أي حاكم .. فالأفئدة والقلوب تهفو إليه ،والألســـــن
والجوارح ممسكة ..إلا عنه...أوكلوا إليه شؤون الرعاية والحراسة...شؤون الرعية لا يديرها إلا من يتفرغ لها مثله،..لا تثنيه العواصف والأنواء ، لا الصقيع ولا الزمهرير، لا الصيف ولا الشتــــــاء،
في استرخاء الطبيعة وهيجانها..دائما ينتصب متحديا..ولعل عيبه الوحيد الذي لا يليق بمقامه كأي حاكم هو رأسه المنكسة.
ينتقل الزوار إليه فيستقبلهم منشغلا عنهم وعما حوله من الحياة ، يتقربون بالعناق والمصافحة إليه، و يتوددونه بعبارات المجاملة والنفاق، فلا يلقي إليهم بالا، ولا يعيرهم اهتماما، ولا يكلف
نفسه عناء الرد على سلامهم، ومشقة الحديث إليهم.
عيون الأقوام ترنو إليه..وعيناه حالمتان في الآفاق المنكمشة بين رجليه، تنسجان له عالمه الخاص في خياله الواهي ، أو في قوقعته الهادئة البعيدة عن صراع الحياة ..الحياة الطاحنة الصاخبة بما فيها من آمال وإحباطات.
بقامة ممشوقة مكتنزة أو هكذا تبدو ـــ رغم خوائها من الداخل تماما مثل الرأس ــ انتصب لا
يحرك ساكنا ولا يلوي على شي ء ، لا يؤثر ولا يتأثر ، فدورة الزمن وفوائد الدهر صقلها فلا
تريانه إلا ما يرضيه و يناسبه .. وليس للانفعالات سبيل إلى وجدانه ، ففؤاده سيبقى و إلى الأزل
مترعا لم يتورط ، ولم يخض أي تجربة عاطفية ، وما ذاق يوما مرارة الفشل .. حتى الحروب
يتلقى هزائمها بقبول وانتشاء .. تغتصب أرضه و تهان كرامته ، وتصادر حريته فلا يمانع أو يعترض
أو يمتعض .
وجهه الصغير بملامحه غير الدقيقة و غير المعبرة تنم عن انفصام الشخصية ، أو تلاشيها ..
و أدران عمامته يعكس الران الذي يعلو قلبه ،.. فذهب حياؤه و اختفت معالم رجولته ، ..
نزل الندامى ، وحط السكارى و الشواذ و المأبونون بأرضه ، فنالوا من عرضه و شرفه ، عربدوا
زاغوا ، سرقوا ، نهبوا.. و تجشموا على السطو على جيرانه.. ووجدوا عنده الأمن و الأمان ،
و الدفء و السلام ، فقرت أعينهم وناموا تحرسهم عيناه وتكلؤهم رعايته .
انتشر الجراد يأكل الزرع ويهلك الضرع ، فوقف يتأمله مشلول اليدين ، ولسان حاله ينطق
بفلسفة خرساء تأتي على الأعصاب و العواطف فتميتها و تقبرها ، .. مرت على تنصيبه حقبة
أجيال ثلاثة ..تعرفه الأجيال لكنه يجهلها كجهله لأمه و يومه و غده... لقد انحسر عنده الزمن
وانعدم ..حتى الأيام لم تترك آثارها على قسمات وجهه فاختفت التجاعيد منه ..ولم يعرف
الاحديداب إلى ظهره طريقا ..
أوهمه غارسوه أن عدالته هي المثلى ، وأنه لا يظلم رعيته مثقال ذرة .. وأن قفازه الحريري
يخفي يدا حديدية .. كان لا يرى إلا من الزاوية التي وضعه فيها زارعوه ،يكفيه أن يعلم
المشرق .. أما المغرب .. فوراء ظهره..
اشتد الحر هذا الصيف، وهاجت معه الأحياء من الخلق.. خرجت الهوام من جحورها ،
والأسد من غاباتها تتقدم الوحوش الضارية..وبلغ الخبر مسامع الطيور الجارحة ن فأقبلـــــت
لتشارك في الهجوم الكاسح.. دكوا الحصون الواهية ، وأذلوا العرش إذلالا،.. مادت الأرض تحت
الأقدام ..قضي على الأخضر واليابس .. لـكن فاه لا زال يفتر عن ابتسامته الدائمة غير آبــه
بهذا الزلزال العنيف ..وامتدت ألسنة اللهب إليه، وإلــى الفزاعات التي جمعها النــــــــاس
وتخلــــــصوا منها ..فزاعات كانت تملأ المكان و الزمان وهما و خرافة










