السلفيون هم العقلانيون
12-02-2009, 12:54 PM
قال صاحب العالم السلفي له وهو يحاوره : إنكم – معشر السلفيين – متهمون بأنكم لستم بعقلانيين !
قال العالم السلفي : إذا كان المقصود بالعقلانية قبول مقتضيات العقل ، بأن نقبل النتائج التي تؤدي إليها الحجة العقلية الصحيحة ، وبألا نقبل التناقض وألا نقبل دعوى إلا بدليل ، وإذا كان المقصود به إعمال العقل والتفكر ؛ فنحن أجدر من غيرنا بوصف العقلانية .
قال صاحبه : كيف تكونون أكثر عقلانية من غيركم وفيهم من يقدم العقل على النص ؟ أليس مثل هذا أجدر بوصف العقلانية منكم ؟
قال العالم : بل هذا من قلة عقلهم !
قال صاحبه : كيف ؟
قال العالم : أليسوا مسلمين دلتهم عقولهم على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن الكتاب الذي جاء به هو كلام الله ؟
قال صاحبه : بلى .
قال العالم : فقد علموا – إذن – أن ما قاله الله في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا ريب فيه .
قال صاحبه : أجل !
قال العالم : فما معنى أن تجعل العقل فوق كلام تعلم أنه الحق ؟
قال صاحبه : فماذا تقولون أنتم معاشر السلفيين ؟
قال العالم : نقول ما قال كثير من أئمتنا : إن ما دل عليه العقل الصريح لابد أن يكون موافقاً لما جاء به النقل الصحيح . فإذا حدث خلاف بينهما في أمر معين ؛ فلابد أن يكون راجعاً إما إلى : خطأ في نقل النص ، أو في فهمه ، أو في أن ما نسب إلى العقل ليس في الحقيقة بعقل صحيح .
قال له صاحبه : إن هؤلاء المسمين بالعقلانيين يقولون : إنكم لا يمكن أن تكونوا عقلانيين وأنتم تبنون دينكم على التبعية لأناس لا مزية لهم إلا أنهم سلف عاشوا في الماضي ؟
قال العالم السلفي : نحن أولاً لا نأخذ ديننا من الرجال سواء كانوا في الماضي أو في الحاضر . إن مصدر الدين عندنا هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . لا نقدم عليهما غيرهما ، كما أمرنا الله – تعالى – بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم ) [الحجرات : 1 ] .
قال صاحبه : فما صلتكم بأولئك السلف إذن ؟
قال العالم السلفي : دعنا أولاً نحدد ماذا نعني بالسلف ، السلف عندنا هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم التابعون لهم ، ثم تابعو أولئك التابعين ، وصلتنا بهم هي الاقتداء بهم في فهم الدين وتطبيقه لأسباب إذا تدبرها الإنسان وجدها في غاية العقلانية .
قال صاحبه : ما هذه الأسباب ؟
قال العالم : منها أولاً : أن الله – تعالى – قد أثنى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثناء يدل على فقههم للدين وإخلاصهم في العمل به ، من ذلك قوله – تعالى – ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً . ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً ) [ الفتح :18 ، 19 ] .
( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ) [ الحجرات : 7 ] .
وثانياً : أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال : " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم " .
والخيرية تتضمن الفقه في الدين وحسن العمل به ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين " .
وثالثاً : أن هذه الأجيال الثلاثة هي الأجيال التي نزل القرآن بلغتها وتكلم الرسول صلى الله عليه وسلم بلسانها ، فهي أجدر بأن تفقه كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم من غيرها ؛ ولأن الصحابة منهم عاصروا نزول الوحي ، وشهدوا المناسبات التي تكلم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم فتعلموا منه مباشرة كما تعلم بعضهم من بعض .
ورابعاً : أن الله – تعالى – أمرنا بأن نقتدي بكل من شهد له بأنه على الحق ، كما قال – تعالى – ( أولئك الذي هدى الله فبهداهم اقتده ) [ الأنعام : 9 ] .
قال صاحبه : لكن هذا معناه أنكم تجمدون على فهم قديم للدين ولا تسمحون بفهم جديد له ولا اجتهاد فيه ؟
قال العالم : أولاً : إنه لا يضير الفهم الصحيح أن يكون قديماً أو جديداً ، فنحن ما نزال نحاول فهم الشعر الجاهلي كما فهمه من سبقنا ، ولا يزال الغربيون يحاولون فهم فلسفات اليونان كما فُهمت في عصرها .
وثانياً : أن مما نتلقاه عن السلف هو ما يمكن أن تسميه بالإدراك الأساس لمعاني النصوص ، وهو إدراك ضروري لكل تفكر في النصوص واجتهاد فيها .
قال صاحبه : ماذا تعني ؟
قال العالم : أعني أنك إذا لم تدرك المعنى الأساسي للكلام ؛ فكيف تتأمله أو تفكر فيه ؟
قال صاحبه : إذن : فأنتم تُعملون العقل حتى في النصوص ؟
قال العالم : أجل ! لأن ربنا يأمرنا بأن نتدبر كتابه ؛ وهل يكون تدبر إلا بإعمال العقل ؟
قال صاحبه : ما الفرق إذن بينكم وبين من يسمون بالعقلانيين ؟
قال العالم : نحن لا نسلم بأنهم هم العقلانيون ، بل نرى في منهجهم تناقضاً يتنافى مع العقلانية كما ذكرت لك من قبل .
قال صاحبه : فما مجال العقل في الشرع في رأيكم ؟
قال العالم : يعمل العقل في مجالات كثيرة بينها القرآن الكريم ، فمنها إدراك المعنى الأساسي ، وهو إدراك عقلي يستوي فيه المؤمن والكافر الذي يتكلم اللغة التي نزل بها كتاب الله وتحدث بها رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال – تعالى - : ( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ) [ البقرة : 75 ] .
إن الإنسان لا يؤمن بكلام أو ينكره ، ولا يرويه على حقيقته أو يحرفه إلا بعد أن يعقله .
قال صاحبه : شيء آخر مهم يتهمونكم به ويعدونه أمراً مخالفاً للعقل ؛ يقولون : إنه على الرغم من أنكم تقرء ون قول الله – تعالى - : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) [ الشورى : 11 ] ، إلا أنكم في الواقع تشبهون الله – تعالى – بمخلوقاته حين تصفونه باستواء حقيقي ، أو تقولون إن له عيناً حقيقية ؟
قال العالم : فماذا يقولون هم ؟ أيقولون إن الله – تعالى – يصف نفسه بأوصاف غير حقيقية ؟
قال صاحبه : يقولون : إن هذه الصفات لا يتصف بها على حقيقتها إلا المخلوقات ، ولذلك فلابد من تأويلها حين يوصف بها الله تعالى .
قال العالم : هذا أيضاً من قلة عقلهم وضيق عطنهم ، وإلا فأين وجدت في العقل ما يدل على أن الصفات الحقيقية هي صفات المخلوقات ؟ بل إن الذي يدل عليه العقل وتدل عليه المشاهدة : هو أن للصفات معاني تأخذ كيفيات مختلفة بحسب الموصوف بها ، فالعين - مثلاً – لها معنى واحد ، لكن عين الإنسان غير عين الحمامة ، وعين الحمامة غير عين الجمل ، وهكذا ، فإذا صح هذا في المخلوقات التي بينها شبه ، فلماذا لا يصح بالنسبة لله الذي ليس كمثله شيء ؟
إننا نعرف معاني صفات مثل : العين ، والاستواء ، والنزول ، والرحمة ؛ لكننا لا نعرف الكيفيات التي يتخذها حين يتصف بها الخالق ، سبحانه ، وهذا هو معنى قول الإمام مالك : الاستواء معلوم والكيف مجهول .
ثم إنك جعلتها قاعدة لك مطردة ألا تصف الله – تعالى – بصفة يتصف بها بعض مخلوقاته بمعنى من معانيها : انتهى بك الأمر إلى إنكار وجود الخالق ؛ لأنك لن تستطيع حينئذ أن تصفه – سبحانه – حتى بأنه موجود ما دمت تصف مخلوقاته بهذه الصفة ، ولن ينفعك أن تقول ( إنك تلجأ إلى التأويل ) لأنك حين تؤول لابد لك من استعمال صفة من الصفات ، كل ما هنالك أنك تستبدل بالصفة التي جاءت في كتاب الله صفة أخرى ؛ فهل تؤول هذه ثم تؤول التي أوّلت بها .. وهكذا إلى ما لا نهاية ؟
كتبه الأستاذ الدكتور/ شيخ جعفر إدريس ( من موقع الوسطية بإشراف الدكتور ناصر العقل ) .
من مواضيعي
0 وقفة مع بعض مظاهر الخلل في منهج التلقي
0 الاختلاف والافتراق .. أخطاء يجب تصحيحها
0 الحركات الإسلامية .. تجاوزات وأخطاء
0 عقيدة التوحيد ... من الرسل إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -
0 السلفيون هم العقلانيون
0 أركان العبادة ( المحبة - الخوف - الرجاء )
0 الاختلاف والافتراق .. أخطاء يجب تصحيحها
0 الحركات الإسلامية .. تجاوزات وأخطاء
0 عقيدة التوحيد ... من الرسل إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -
0 السلفيون هم العقلانيون
0 أركان العبادة ( المحبة - الخوف - الرجاء )








