منهج أهل السنة والجماعة قاطبة في التحذير من أهل البدع ومن كتبهم وحكمهم في الداعي
31-10-2008, 10:11 AM
منهج أهل السنة والجماعة قاطبة في التحذير من أهل البدع ومن كتبهم وحكمهم في الداعية إلى البدع
1- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "السياسة الشرعية" (ص 123): "وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، وكذلك كثير من أصحاب مالك، وقالوا: إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض، لا لأجل الردة" اهـ.
2- وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "من قامت عليه الحجة من أهل البدع ، استحق العقوبة، وإلا، كانت أعماله البدعية المنهي عنها باطلة لا ثواب فيها، وكانت منقصة له، خافضة له، مسقطة لحرمته ودرجته، فإن هذا حكم أهل الضلال وجزاؤهم، والله حكم عدل، لا يظلم مثقال ذرة، وهو عليم حكيم "([1]) اهـ.
3- رأي الحافظ تقي الدين أبي محمد عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي رحمه الله في الطوائف ([2]).
قال رحمه الله: "واعلم رحمك الله أن الإسلام وأهله أتوا من طوائف ثلاثة:
ا) فطائفة ردت أحاديث الصفات، وكذبوا رواتها، فهؤلاء أشد ضررا على الإسلام وأهله من الكفار.
2) وطائفة قالوا بصحتها وقبولها، ثم تأولوها؟ فهؤلاء أعظم ضررا من الطائفة الأولى.
3) والثالثة: جانبوا القولين الأولين، وأخذوا- بزعمهم - ينزهون وهم يكذبون، فأداهم ذلك إلى القولين الأولين، وكانوا أعظم ضررا من الطائفتين الأوليين " ا هـ.
4- وقال ابن الجوزي ([3]) : "قال أبو الوفاء علي بن عقيل الفقيه: قال شيخنا أبو الفضل الهمذاني: مبتدعة الإسلام والواضعين للأحاديث أشد من الملحدين، لأن الملحدين قصدوا (فساد الدين من خارج، وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل، فهم كأهل بلد سعوا في إفساد أحواله، والملحدون كالمحاصرين من خارج، فالدخلاء يفتحون الحصن، فهو([4]) شر على الإسلام من غير الملابسين له ".
قلت: فهذا كلام في طوائف تنتمي إلى الإسلام، ولا شك أن لهم محاسن، فلم يذكرها هؤلاء العلماء العظماء، لأن ذكرها غير واجب.
ثم منهج السلف الصالح هو التحذير من الكتب التي فيها بدع، صيانة لمنهج المسلمين من ضررها وخطرها، وليس من الظلم أن يذكر المسلم الناصح من كتاب مثالب موجودة فيه، تحذيرا للمسلمين من ضرره، ولو لم يذكر محاسنه، بل من الظلم أن يُثْلَبَ بما ليس فيه، ولو كان كاتبه كافرا.
5- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فالكذب على الشخص حرام كله ، سواء كان الرجل مسلما أو كافرا أو فاجرا، لكن الافتراء على المؤمن أشد، بل الكذب كله حرام، ولكن يباح عند الحاجة الشرعية المعاريض ([5]) اهـ.
ولقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من قراءة كتب أهل الكتاب، فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فغضب، فقال: "أمتهوكون يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى عليه السلام كان حيا ، ما وسعه إلا أن يتبعني " ([6]) .
6- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهذه حقيقة قول من قال من السلف والأئمة: إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يناكحون.
فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا، ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية، لأن الداعية أظهر المنكرات، فاستحق العقوبة، بخلاف الكاتم، فإنه ليس شرا من المنافقين، الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله، مع علمه بحال كثير منهم "([7]) اهـ.
7- وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عند تفسير قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}([8]).
"فأمر بعقوبتهما وعذابهما بحضور طائفة من المؤمنين، وذلك بشهادته على نفسه، أو بشهادة المؤمنين عليه، لأن المعصية إذا كانت ظاهرة، كانت عقوبتها ظاهرة، كما جاء في الأثر: "من أذنب سرا، ليتب سرا، ومن أذنب علانية، فليتب علانية"، وليس من الستر الذي يحبه الله تعالى، كما في الحديث: "من ستر مسلما، ستره الله "، بل ذلك إذا ستر، كان ذلك إقرارا لمنكر ظاهر، وفي الحديث: "إن الخطيئة إذا خفيت، لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت فلم تنكر، ضرت العامة"، فإذا أعلنت، أعلنت عقوبتها، بحسب العدل الممكن.
ولهذا لم يكن للمعلن بالبدع والفجور غيبة، كما روي ذلك عن الحسن البصري وغيره، لأنه لما أعلن ذلك، استحق عقوبة المسلمين له، وأدنى ذلك أن يذم عليه، لينزجر ويكف الناس عنه وعن مخالطته، ولو لم يذم ويذكر بما فيه من الفجور والمعصية أو البدعة، لاغتر به الناس، وربما حمل بعضهم على أن يرتكب ما هو عليه، ويزداد أيضا هو جرأة وفجورا ومعاصي، فإذا ذكر بما فيه، انكف وانكف غيره عن ذلك وعن صحبته ومخالطته.
قال الحسن البصري: أترغبون عن ذكر الفاجر؟! اذكروه بما فيه كي يحذره الناس، وقد روي مرفوعا.
والفجور اسم جامع لكل متجاهر بمعصية أو كلام قبيح يدل السامع له على فجور قلب قائله، ولهذا كان مستحقا للهجر إذا أعلن بدعة أو معصية أو فجورا أوتهتكا أومخالطة لمن هذا حاله، بحيث لا يبالي بطعن الناس عليه، فإن هجره نوع تعزير له.
فإذا أعلن السيئات، أعلن هجره، وإذا أسر، اسر هجره، إذ الهجرة هي الهجرة على السيئات، وهجرة السيئات هجرة ما نهى الله عنه، كما قال تعالى: {والرجز فاهجر}([9])، وقال تعالى: {واهجرهم هجرا جميلا}([10])، وقال تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم }([11]) 000 إلخ " ([12]) اهـ.
8- وقال ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم "([13]) : "أخبرنا إسماعيل بن عبدالرحمن، قال: حدثنا إبراهيم بن بكر، قال: سمعت أبا عبدالله محمد بن أحمد بن إسحاق بن خويز منداد المصري المالكي، قال في (كتاب الإجارات) من كتابه في الخلاف: قال مالك: لا تجوز الإجارات في شيء من كتب الأهواء والبدع والتنجيم، وذكر كتبا، ثم قال: وكتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم، وتفسخ الإجارة في ذلك. قال: وكذلك كتاب القضاء بالنجوم وعزائم الجن وما أشبه ذلك. وقال في (كتاب الشهادات) في تأويل قول مالك: "لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء"، قال: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم، فهو من أهل الأهواء والبدع، أشعريا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً، ويهجر، ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها، استتيب منها" اهـ.
9- وقال ابن عبدالبر في كتابه "التمهيد" عقب حديث كعب بن مالك في قصة الثلاثة الذين خلفوا: "وفي حديث كعب هذا دليل على أنه جائز أن يهجر المرء أخاه إذا بدت منه بدعة أو فاحشة يرجو أن يكون هجرانه تأديبا له وزجرا عنه)) ([14]) 1هـ.
10 - وروى الخطيب البغدادي([15]) بإسناده إلى الفضل بن زياد، قال: "وسألت أبا عبدالله عن الكرابيسي وما أظهر، فكلح وجهه، ثم أطرق، ثم قال: هذا قد أظهر رأي جهم، قال الله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله }([16])، فممن يسمع، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "فله الأمان حتى يسمع كلام الله "، إنما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها، تركوا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأقبلوا على هذه الكتب " اهـ.
11- قال الشيخ شمس الدين أبوعبدالله محمد بن مفلح في كتابه "الآداب الشرعية" ([17]) : "وذكر الشيخ موفق الدين رحمه الله في المنع من النظر في كتب المبتدعة، قال: وكان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع، والنظر في كتبهم، والاستماع لكلامهم " اهـ.
2 1- انظر كلام الإمام البغوي المتقدم في (ص 26- 27).
13- قال الشاطبي رحمه الله: "فإن فرقة النجاة - وهم أهل السنة - مأمورون بعداوة أهل البدع، والتشريد بهم، والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم، بالقتل فما دونه، وقد حذر العلماء من مصاحبتهم ومجالستهم، وذلك مظنة إلقاء العداوة والبغضاء، لكن الدرك فيها على من تسبب في الخروج عن الجماعة بما أحدثه من اتباع غير سبيل المؤمنين، لا على التعادي مطلقا، كيف ونحن مأمورون بمعاداتهم وهم مأمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة ؟) ([18]) اهـ
14- وقال الشاطبي أيضا رحمه الله ([19]) : "حين تكون الفرقة تدعو إلى ضلالتها وتزينها في قلوب العوام ومن لا علم عنده، فإن ضرر هؤلاء على المسلمين كضرر إبليس، وهم من شياطين الإنس، فلا بد من التصريح بأنهم من أهل البدع والضلالة، ونسبتهم إلى الفرق إذا قامت له الشهود على أنهم منهم.
فمثل هؤلاء لا بد من ذكرهم والتشريد بهم، لأن ما يعود على المسلمين من ضررهم إذا تركوا أعظم من الضرر الحاصل بذكرهم والتنفير عنهم إذا كان سبب ترك التعيين الخوف من التفرق والعداوة، ولا شك أن التفرق بين المسلمين وبين الداعين للبدعة وحدهم إذا أقيم عليهم أسهل من التفرق بين المسلمين وبين الداعين ومن شايعهم واتبعهم، وإذا تعارض الضرران، فالمرتكب أخفهما وأسهلهما، وبعض الشر أهون من جميعه كقطع اليد المتأكله، إتلافها أسهل من إتلاف النفس، وهذا شأن الشرع أبدا، يطرح حكم الأخف وقاية من الأثقل ".
قلت: فهذا هو مذهب السلف، وهذه هي أحكامهم، وهذا هو تعاملهم مع الكتب ومع أهلها أهل البدع، كما ترى في كلام ابن تيمية والبغوي والشاطبي، وفي كلام ابن عبدالبر عن مالك وأصحابه، وكما في كلام الخطيب والموفق ابن قدامة عن الإمام أحمد والسلف قاطبة.
15- وقال ابن القيم في "الطرق الحكمية" ([20]) : " (فصل): وكذلك لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها: قال المروذي: قلت لأحمد: استعرت كتابا فيه أشياء رديئة، ترى أن أخرقه أو أحرقه، قال: نعم، فأحرقه.
وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم بيد عمر كتابا اكتتبه من التوراة، وأعجبه موافقته للقرآن، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى ذهب به عمر إلى التنور، فألقاه فيه.
فكيف لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنف بعده من الكتب التي يعارض بها ما في القرآن والسنة ؟! والله المستعان.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كتب عنه شيئا غير القرآن أن يمحوه، ثم أذن في كتابة سنته، ولم يأذن في غير ذلك.
وكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة غير مأذون فيها، بل مأذون في محوها وإتلافها، وما على الأمة أضر منها، وقد حرق الصحابة جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثمان لما خافوا على الأمة من الاختلاف، فكيف لو رأوا هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق بين الأمة... ".
ثم قال ابن القيم: "والمقصود أن هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف، وإتلاف آنية الخمر، فإن ضررها أعظم من ضرر هذه، ولا ضمان فيها، كما لا ضمان في كسر أواني الخمر وشق الزقاق " اهـ.
16- وقال الذهبي: "قال الحافظ سعيد بن عمرو البردعي: شهدت أبا زرعة - وقد سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه- فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر، فإنك تجد فيه ما يغنيك. قيل له: في هذه الكتب عبرة. فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة، فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن سفيان ومالكا والأوزاعي صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس؟! ما أسرع الناس إلى البدع!
مات الحارث سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
وأين مثل الحارث؟! فكيف لو رأى أبو زرعة تصانيف المتأخرين، كـ " القوت " لأبي طالب؟! وأين مثل " القوت " ؟! كيف لو رأى "بهجة الأسرار" لابن جهضم و"حقائق التفسير" للسلمي، لطار لبه؟! كيف لو رأى تصانيف أبي حامد الطوسي في ذلك على كثرة ما في "الإحياء" من الموضوعات؟! كيف لو رأى "الغنية" للشيخ عبدالقادر؟! كيف لو رأى "فصوص الحكم " و " الفتوحات المكية"؟!
بلى؟ لما كان الحارث لسان القوم في ذاك العصر، كان معاصره ألف إمام في الحديث، فيهم مثل أحمد بن حنبل وابن راهويه، ولما صار أئمة الحديث مثل ابن الدخميسي وابن شحانة، كان قطب العارفين كصاحب "الفصوص " وابن سبعين، نسأل الله العفو والمسامحة آمين" ([21]) اهـ.
أقول: رحم الله الإمام الذهبي، كيف لو رأى مثل "الطبقات " للشعراني، و"جواهر المعاني " و"بلوغ الأماني في فيض أبي العباس التيجاني " لعلي بن حرازم الفاسي؟! كيف لو رأى "خزينة الأسرار" لمحمد حقي النازلي؟! كيف لو رأى " نور الأبصار" للشبلنجي؟! كيف لو رأى "شواهد الحق في جواز الاستغاثة بسيد الخلق " و"جامع كرامات الأولياء" للنبهاني ؟! كيف لو رأى " تبليغي نصاب " وأمثاله من مؤلفات أصحاب الطرق الصوفية ؟! كيف لو رأى مؤلفات غزالي هذا العصر وهي تهاجم السنة النبوية وتسخر من حملتها والمتمسكين بها من الشباب السلفي وتقذفهم بأشنع التهم وأفظع الألقاب؟! كيف لو رأى مؤلفات المودودي وما فيها من انحراف عقدي وعقلي وسلوكي؟! كيف لو رأى مصنفات القرضاوي وهي تدافع عن أهل البدع وتنتصر لها، بل تشرح أصولها، والذي ينحى منحى غزالي هذا العصر، بل هو أخطر؟! كيف لو رأى دعاة زماننا وقد أقبلوا على هذه الكتب المنحرفة، وهم يسيرون ويسيرون شبابهم وأتباعهم على مناهج الفرق المنحرفة الضالة، بل وينافحون عنها وعن قاداتها المبتدعين؟! كيف لو رأى مصنفات سعيد حوى الصوفية والسياسية المنحرفة؟! كيف لو رأى مصنفات الكوثري وتلاميذه أبي غدة وإخوانه من كبار متعصبي الصوفية والمذهبية؟! كيف لو رأى مصنفات البوطي وأمثاله من خصوم السنة وخصوم مدرسة التوحيد ومدرسة ابن تيمية؟! كيف لو رأى شباب الأمة بل شباب التوحيد وقد جهلوا منهج السلف بل جهلوا الكتاب والسنة وأقبلوا على هذه الكتب المهلكة ([22]) ؟!
ويا ويل من يتعرض لنقدها ويريد حماية دينهم وعقائدهم من ضلالاتها!
يا ويله! من يحميه من سهامهم واتهاماتهم الجريئة؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون!
17- قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في "شرح علل الترمذي "([23]): "وقد تسلط كثير ممن يطعن في أهل الحديث عليهم بذكر شيء من هذه العلل، وكان مقصوده بذلك الطعن في الحديث جملة والتشكيك فيه، أو الطعن في غير حديث أهل الحجاز، كما فعله حسين الكرابيسي في كتابه الذي سماه بـ "كتاب المدلسين "، وقد ذكر كتابه هذا للإمام أحمد، فذمه ذما شديدا، وكذلك أنكره عليه أبو ثور وغيره من العلماء.
قال المروزي: مضيت إلى الكرابيسي، وهو إذ ذاك مستور، يذب عن السنة، ويظهر نصرة أبي عبدالله، فقلت له: إن كتاب "المدلسين" يريدون أن يعرضوه على أبي عبدالله، فأظهر أنك ندمت حتى أخبر أبا عبدالله. فقال لي: إن أبا عبدالله رجل صالح، مثله يوفق لإصابة الحق، وقد رضيت أن يعرض كتابي عليه، وقد سألني أبو ثور وابن عقيل وحبيش أن أضرب على هذا الكتاب، فأبيت عليهم، وقلت: بل أزيد فيه، ولج في ذلك، وأبى أن يرجع عنه، فجيء بالكتاب إلى أبي عبدالله وهو لا يدري من وضع الكتاب، وكان في الكتاب الطعن على الأعمش والنصرة للحسن بن صالح، وكان في الكتاب: "إن قلتم: إن الحسن بن صالح كان يرى رأي الخوارج، فهذا ابن الزبير قد خرج "، فلما قرىء على أبي عبدالله، قال: "هذا قد جمع للمخالفين ما لم يحسنوا أن يحتجوا به، حذروا عن هذا"، ونهى عنه ".
قال ابن رجب رحمه الله: "وقد تسلط بهذا الكتاب طوائف من أهل البدع من المعتزلة وغيرهم في الطعن على أهل الحديث، كابن عباد الصاحب ونحوه، وكذلك بعض أهل الحديث ينقل منه دسائس، إما أنه يخفى عليه أمرها، أو لا يخفى عليه، في الطعن في الأعمش ونحوه، كيعقوب الفسوي وغيره.
وأما أهل العلم والمعرفة والسنة والجماعة، فإنما يذكرون علل الحديث نصيحة للدين، وحفظا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وصيانة لها، وتمييزا مما يدخل على رواتها من الغلط والسهو والوهم، ولا يوجب ذلك طعنا في غير الأحاديث المعللة، بل تقوى بذلك الأحاديث السليمة عندهم، لبراءتها من العلل، وسلامتها من الآفات، فهؤلاء هم العارفون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا، وهم النقاد الجهابذة الذين ينتقدون الحديث انتقاد الصيرفي الحاذق للنقد البهرج من الخالص، وانتقاد الجوهري الحاذق للجوهر مما دلس به " اهـ.
18- قال الحافظ ابن رجب رحمه الله ([24]) : "وقد كان بعض السلف إذا بلغه قول ينكره على قائله يقول: "كذب فلان "، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : "كذب أبو السنابل "، لما بلغه أنه أفتى أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا لا تحل بوضع الحمل حتى تأتي عليها أربعة أشهر وعشرا.
وقد بالغ الأئمة الورعون في إنكار مقالات ضعيفة لبعض العلماء، وردها أبلغ الرد، كما كان الإمام أحمد (164- 241 هـ) ينكر على أبي ثور (240 هـ) وغيره مقالات ضعيفة تفردوا بها، ويبالغ في ردها عليهم.
هذا كله حكم الظاهر، وأما في باطن الأمر، فإن كان مقصوده في ذلك مجرد تبيين الحق ولئلا يغتر الناس بمقالات من أخطأ في مقالاته، فلا ريب أنه مثاب على قصده، ودخل بفعله هذا بهذه النية في النصح لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم.
وسواء كان الذي بين الخطأ صغيرا أم كبيرا، فله أسوة بمن رد من العلماء مقالات ابن عباس ".
ثم ذكر سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وطاوس وغيرهم "ممن أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم ومحبتهم والثناء عليهم، ولم يعد أحد منهم ما خالفوه في هذه المسائل ونحوها طعنا في هؤلاء الأئمة ولا عيبا لهم، وقد امتلأت كتب أئمة المسلمين من السلف والخلف بتبيين هذه المقالات وما أشبهها مثل كتب الشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور ومن بعدهم من أئمة الفقه والحديث وغيرهما ممن ادعوا هذه المقالات ما كان بمثابتها شيء كثير، ولو ذكرنا ذلك بحروفه لطال الأمر جدا.
وأما إن كان مراد الراد بذلك إظهار عيب من رد عليه، وتنقصه، وتبيين جهله وقصوره في العلم، ونحو ذلك، كان محرما، سواء كان رده لذلك في وجه من رد عليه أو في غيبته، وسواء كان في حياته أو بعد موته، وهذا داخل فيما ذمه الله تعالى في كتابه، وتوعد عليه في الهمز واللمز، وداخل أيضا في قول النبي صلى الله عليه وسلم "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه! لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم، يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته، يفضحه، ولو في جوف بيته ".
وهذا كله في حق العلماء المقتدى بهم في الدين، فأما أهل البدع والضلالة ومن تشبه بالعلماء وليس منهم، فيجوز بيان جهلهم، وإظهار عيوبهم، تحذيرا من الاقتداء بهم، وليس كلامنا الآن في هذا القبيل، والله أعلم".
19- وقال الحافظ ابن رجب أيضا رحمه الله في "شرح علل الترمذي([25]) " : "قال ابن أبي الدنيا: نا أبو صالح المروزي: سمعت رافع بن أشرس، قال: كان يقال: "من عقوبة الكذاب أن لا يقبل صدقه ". وأنا أقول: من عقوبة الفاسق المبتدع أن لا تذكر محاسنه ".
قال المحقق: "قال الكنكوهي في " الكوكب الدري " (1/ 347): إنه صاحب بدعة، لا ينبغي أن يأخذ العلماء منه، ولا أن يتركوا العامة يسألون عنه ويجلسون إليه، فلما كان كذلك، لا يتحدث عنه أحد فيموت ذكره، ولا يشتهر أمره، فعلم أن العلماء يجوز لهم بل يجب أن يظهروا للناس عيبه ويمنعوهم عن الأخذ عنه ".
قلت: وما أشبه الليلة بالبارحة! فخصوم السنة والتوحيد يستغلون اليوم كتابات وأشرطة بعض من ينتسبون إلى السنة والتوحيد في الطعن في أعلام السنة والتوحيد ودعاتهما، بل الأشد نكاية وفجيعة أن يتأثر بهذه الأشرطة والكتابات والدعايات كثير من أبناء التوحيد والسنة، فيسددون سهام التجريح والتهم الظالمة إلى أعلام التوحيد والسنة وحملة راياتهما والمدافعين عن حياضهما، والأشد من ذلك أسفا وفواجع أن يتعاطفوا ويتضامنوا مع أهل البدع والضلال في تسديد السهام المسمومة التي يعدها أعداء السنة والتوحيد السهام الأخيرة للإجهاز على البقية الباقية من السنة والتوحيد.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على النفس من وقع الحسام المهند
فإنا لله وانا إليه راجعون.
انظر أخي واعتبر! كيف وقف الإمام أحمد ومن وراءه من أهل السنة من كتاب "المدلسين " للكرابيسي، ولعله خير آلاف المرات وأقل خطرا آلاف المرات من كتب يدافع عنها أبناء السنة والتوحيد لأهل البدع والضلال، فإنا لله وانا إليه راجعون مرات ومرات أخرى !
20- قال السبكي بعد أن ذكر طعن المازري في الغزالي: "وقد سبقه إلى قريب منه من المالكية أبو الوليد الطرطوشي، فذكر في "رسالة إلى ابن مظفر": فأما ما ذكرت من أمر الغزالي، فرأيت الرجل وكلمته، فرأيته رجلا من أهل العلم، قد نهضت به فضائله، واجتمع فيه العقل والفهم وممارسة العلوم طول زمانه، ثم بدا له الانصراف عن طريق العلماء، ودخل غمر العمال، ثم تصوف، فهجر العلوم وأهلها، ودخل في علم الخواطر وأرباب القلوب ووساوس الشيطان، ثم شابها باراء الفلاسفة ورموز الحلاج، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين، ولقد كاد ينسلخ من الدين، فلما عمل "الإحياء" ، عمد يتكلم في علوم الأحوال ومرامز الصوفية، وكان غير أنيس بها، ولا خبير بمعرفتها، فسقط على أم رأسه، وشحن كتابه بالموضوعات " ([26]) اهـ.
21- قال الونشريسي في "المِعْيار المُعْرب "([27]) : "قال ابن القطان: لما وصل "إحياء علوم الدين " إلى قرطبة، تكلموا فيه بالسوء، وأنكروا عليه أشياء، لا سيما قاضيهم ابن أحمدين، فإنه أبلغ في ذلك، حتى كفر مؤلفه، وأغرى السلطان به، واستشهد بفقهائه، فأجمع هو وهم على حرقه، فأمر علي بن يوسف بذلك بفتياهم، فأحرق بقرطبة على الباب الغربي في رحبة المسجد بجلوده بعد إشباعه زيتا بمحضر جماعة من أعيان الناس، ووجه إلى جميع بلاده يأمر بإحراقه، وتوالى الإحراق على ما اشتهر عنه ببلاد المغرب في ذلك الوقت، فكان إحراقه سببا لزوال ملكهم وانتشار سلكهم؟ وتوالي الهزائم عليهم " اهـ.
أقول: والربط بين زوال ملكهم وبين إحراق "الاحياء" غير صحيح،
فإن الصحابة أحرقوا المصاحف تجنيبا للأمة فتنة الضلال والاختلاف أيضا، والصواب أن يقال: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء}([28])، ثم يقال: السبب في زوال ملكهم كثرة ذنوبهم ومعاصيهم.
قال الذهبي في العبر ([29]) في وفيات سنة سبع وثلاثين وخمس مائة:"وعلي بن يوسف بن تاشفين أمير المسلمين وصاحب المغرب، كان يرجع إلى عدل ودين وتعبد وحسن طوية وشدة إيثار لأهل العلم وذم للكلام وأهله، لما وصلت إليه كتب أبي حامد، أمر بإحراقها وشدد في ذلك، ولكنه كان مستضعفا مع رؤوس أمرائه، فلذلك ظهرت مناكير خمور في دولته، فتغافل، وعكف عن العبادة، وتوثب عليه ابن تومرت، ثم صاحبه عبد المؤمن " اهـ.
فهذا سبب زوال ملكهم: ظهور المنكرات والخمور، وضعف علي بن يوسف.
22- وقال ابن الجوزي في "تلبيس إبليس " ([30]) : "ثم جاء أقوام- يعني: من الصوفية - فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوساوس والخطرات، وصنفوا في ذلك، مثل الحارث المحاسبي.
وجاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف وأفردوه بصفات ميزوه بها من الاختصاص بالمرقعة والسماع والوجد والرقص والتصفيق، وتميزوا بزيادة النظافة والطهارة.
ثم ما زال الأمر ينمو والأشياخ يضعون لهم أوضاعا ويتكلمون بواقعاتهم، ويتفق بعدهم عن العلماء، لا بل رؤيتهم ما هم فيه أوفى العلوم، حتى سَمَّوهُ العلم الباطن، وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر.
ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة، فادعى عشق الحق والهيمان فيه، فكأنهم تخايلوا شخصا مستحسن الصورة، فهاموا به، وهؤلاء بين الكفر والبدعة.
ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق.، ففسدت عقائدهم، فمن هؤلاء منقالوا بالحلول، ومنهم من قال بالاتحاد.
وما زال إبليس يخبطهم بفنون البدع حتى جعلوا لأنفسهم سننا.
وجاء أبوعبدالرحمن السلمي فصنف لهم كتاب "السنن "، وجمع لهم "حقائق التفسير"، فذكر عنهم فيه العجب في تفسيرهم القرآن بما يقع لهم، من غير إسناد ذلك إلى أصل من أصول العلم، وإنما حملوه على مذاهبهم، والعجب من ورعهم في الطعام وانبساطهم في القرآن.
وقد أخبرنا أبو منصور عبدالرحمن القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب: قال لي محمد بن يوسف القطان النيسابوري، قال: كان أبو عبدالرحمن السلمي غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئا يسيرا، فلما مات الحاكم أبوعبدالله بن البيع، حدث عن الأصم؟ بـ "تاريخ يحيى بن معين " وبأشياء كثيرة سواه، وكان يضع للصوفية الأحاديث.
قال المصنف([31]) : وصنف لهم أبو نصر السراج كتابا سماه "لمع الصوفية"، ذكر فيه من الاعتقاد القبيح والكلام المرذول ما سنذكر منه جملة إن شاء الله تعالى.
وصنف لهم أبو طالب المكي "قوت القلوب "، فذكر فيه الأحاديث الباطلة وما لا يستند فيه إلى أصل، من صلوات الأيام والليالي وغير ذلك من الموضوعات، وذكر فيه الاعتقاد الفاسد، وردد فيه قول: "قال بعض المكاشفين "، وهذا كلام فارغ، وذكر فيه عن بعض الصوفية أن الله عز وجل يتجلى في الدنيا لأوليائه.
أخبرنا أبو منصور القزاز: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: قال أبو طاهر محمد بن العلاف، قال: دخل أبو طالب المكي إلى البصرة بعد وفاة أبي الحسين بن سالم، فانتمى إلى مقالته، وقدم بغداد، فاجتمع الناس عليه في مجلس الوعظ، فخلط في كلامه، فحفظ عنه أنه قال: "ليس على المخلوق أضر من الخالق "، فبدعه الناس، وهجروه، فامتنع من الكلام على الناس بعد ذلك.
قال الخطيب: وصنف أبو طالب المكي كتابا سماه "قوت القلوب "على لسان الصوفية، وذكرفيه أشياء منكرة مستبشعة في الصفات.
قال المصنف ([32]): وجاء أبو نعيم الأصبهاني، فصنف لهم كتاب "الحلية"، وذكر في حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة، ولم يستح أن يذكر في الصوفية أبا بكر وعمر وعثمانا؟ وعليا وسادات الصحابة رضي الله عنهم، فذكر عنهم فيه العجب، وذكر منهم شريحا القاضي والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل، وكذلك ذكر السلمي في "طبقات الصوفية" الفضيل وإبراهيم بن أدهم ومعروفا الكرخي، وجعلهم من الصوفية، بأن أشار إلى أنهم من الزهاد.
فالتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد، ويدل على الفرق بينهم أن الزهد لم يذمه أحد، وقد ذموا التصوف على ما سيأتي ذكره.
وصنف لهم عبدالكريم بن هوازن القشيري كتاب "الرسالة"، فذكر فيها العجائب من الكلام في الفناء والبقاء، والقبض والجمع والتفرقة، والصحو والسكر، والذوق والشرب، والمحو والاثبات، والتجلي والمحاضرة والمكاشفة، واللوائح والطوالع واللوامع، والتكوين والتمكين، والشريعة والحقيقة... إلى غير ذلك من التخليط الذي ليس بشيء، وتفسيره أعجب منه.
وجاء محمد بن طاهر المقدسي، فصنف لهم صفوة التصوف، فذكر فيه أشياء يستحي العاقل من ذكرها، نذكر ما يصلح ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وجاء أبو حامد الغزالي، فصنف لهم كتاب "الإحياء" على طريقة القوم، وملأه بالأحاديث الباطلة وهو يعلم بطلانها، وتكلم في علم المكاشفة، وخرج عن قانون الفقه، وقال: إن المراد بالكواكب والشمس والقمر اللواتي رآهن ابراهيم صلوات الله عليه: أنوار هي حجب الله عز وجل، ولم يرد هذا في المعروفات، وهذا من جنس كلام الباطنية.
وقال في كتاب "المفصح بالأحوال ": إن الصوفية في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يرتقي الحال من مشاهدة الصور الى درجات يضيق عنها نطاق النطق.
قال المصنف([33]) وكان السبب في تصنيف هؤلاء مثل هذه الأشياء: قلة علمهم بالسنن والإسلام والآثار، وإقبالهم على ما استحسنوه من طريقة القوم، وإنما استحسنوها، لأنه قد ثبت في النفوس مدح الزهد، وما رأوا حالة أحسن من حالة هؤلاء القوم في الصورة، ولا كلاما أرق من كلامهم، وفي سير السلف نوع خشونة، ثم إن ميل الناس إلى هؤلاء القوم شديد، لما ذكرنا من أنها طريقة ظاهرها النظافة والتعبد، وفي ضمنها الراحة والسماع، والطباع تميل إليهما، وقد كان أوائل الصوفية ينفرون من السلاطين والأمراء، فصاروا أصدقاء.
وجمهور هذه التصانيف التي صنفت لهم لا تستند إلى أصل، وإنما هي واقعات تلقفها بعضهم عن بعض ودونها، وقد سموها بالعلم الباطن، والحديث بإسناد إلى أبي يعقوب إسحاق بن حية، قال: سمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن الوساوس والخطرات؟ فقال: ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون " ا هـ.
23- قال الحافظ ابن الصلاح رحمه الله: "قلت: ولقائل أن يقول: إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث في الجرح والتعديل، وقل ما يتعرضون فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على مجرد قولهم: فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء، ونحو ذلك، أو هذا حديث ضعيف، وهذا حديث غير ثابت، ونحو ذلك.
فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك، وسد باب الجرح في الأغلب الأكثر، وجوابه أن ذلك، وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به؟ فقد اعتمدناه في أن توقفنا في قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك؟ بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية يوجب مثلها التوقف".
قال العراقي متعقبا ابن الصلاح: "ومما يدفع هذا السؤال رأسأ أو يكون جوابا عنه: أن الجمهور إنما يوجبون البيان في جرح من ليس عالما بأسباب الجرح والتعديل، وأما العالم بأسبابهما، فيقبلون جرحه من غير تفسير، وبيان ذلك أن الخطيب حكى في "الكفاية" عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنه حكى عن جمهور أهل العلم: إذا جرح من لا يعرف الجرح، يجب الكشف عن ذلك. قال: ولم يوجبوا ذلك على أهل العلم بهذا الشأن. قال القاضي: والذي يقوي عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالما كما لا يجب استفسار المعدل عما به صار المزكي عدلا إلى آخر كلامه، وما حكيناه عن القاضي أبي بكر هو الصواب " ([34]) اهـ.
قلت: فأنت ترى أنهم لا يشترطون في الجارح أن يذكر الجوانب المشرقة في المجروح، وأن العالم بأسباب الجرح والتعديل يؤخذ كلامه مسلما عند جمهور العلماء، ويجب الكشف عن جرح غير العالم بأسباب الجرح والتعديل، ولا يتهمون أحدا بأنه ظالم إذا اقتصر على الجوانب المظلمة.
هذا هو المنهج الرشيد الذي يجب أن يعرفه الشباب السلفي، المنهج الذي دل عليه الكتاب والسنة، وسلكه خيار الأمة- محدثوها وفقهاؤها-، ومن شرط تطبيق هذا المنهج أن يكون الناقد مريدا بذلك وجه الله والنصيحة لله ولكتابه وصيانة دين الله وما حواه من عقائد وشرائع وعبادات.
ومما يؤسف له أشد الأسف أن أهل الباطل والبدع قد خدعوا كثيرأ من أذكياء طلاب العلم- فضلا عن غيرهم- بأنه لا يجوز الكلام في الدعاة، يريدون بذلك دعاة البدعة والضلال، يريدون بذلك إفساح المجال لانتشار خدعهم الهدامة، يريدون القضاء على دعوة التوحيد والسنة ومنهج السلف الصالح.
ومن فروع هذا المذهب الخداع هذه الشروط التي يشترطها بعض أبناء التوحيد: أنه لا بد في نقد أهل البدع - أو من يسمون بالدعاة من ذكر الجوانب المشرقة إلى جانب ذكر الجوانب المظلمة...
24- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: في الكلام على حديث رواه عبدالملك بن هارون: "لكنه قد رواه من صنف في عمل اليوم والليلة كابن السني وأبي نعيم، وفي مثل هذه الكتب أحاديث كثيرة موضوعة، لا يجوز الاعتماد عليها في الشريعة باتفاق العلماء، ورواه أبو الشيخ الإصبهاني في كتاب "فضائل الأعمال "، وفي هذا الكتاب أحاديث كثيرة كذب موضوعة([35])"اهـ
فترى شيخ الإسلام قد اقتصر على ذكر الجانب المظلم ولم يذكر الجوانب المشرقة، فلو كان إهمال المحاسن ظلما، فكيف يقدم على هذا الظلم؟! ولو كان من منهج السلف ضرورة ذكر المحاسن إذا ذكرت المثالب، فكيف يفسر معظم نقدهم الذي لا يذكرون فيه المجروحين والمبتدعين إلا بالجرح والطعن دون أن يعرجوا على جوانب المدح والمحاسن، كيف يفسر هذا التصرف؟!
25- قال شيخ الإسلام في "شرح الأصفهانية": "وما في هذا الاعتقاد المشروح هو موافق لقول الواقفة الذين لا يقولون بقول الأشعري وغيره من متكلمة أهل الإثبات وأهل السنة والحديث والسلف، بل يثبتون ما وافقه عليه المعتزلة البصريون، فإن المعتزلة البصريين يثبتون ما في هذا الاعتقاد، ولكن الأشعري وسائر متكلمة أهل الإثبات مع أئمة السنة والجماعة يثبتون الرؤية، ويقولون: القرآن غير مخلوق.
وقد رأيت اعتقادا مختصرا لصاحب مصنف هذا الاعتقاد المشروح، وهو مشهور بالعلم والحديث، وهو في الظاهر أشعري عند الناس، رأيت اعتقاده على هدا النمط، ذكر فيه أن الله متكلم آمر ناه كما يوافق عليه المعتزلة، ولم يذكر أن القرآن غير مخلوق، ولا أثبت الروية، بل جعلها مما تتأول، وكان يميل إلى الجهمية الذين ناظروا أحمد بن حنبل وسائر أئمة السنة في مسألة القرآن، ويرجح جانبهم، وحكى عنهم ذماً وسباً لأحمد بن حنبل، وهو بنى اعتقاده وركبه من قول الجهمية ومن قول الفلاسفة القائلين بِقِدَم العقول والنفوس، وهو من جنس القول المضاف إلى ديمقراطيس، وليس هذا مذهب الأشعرية، بل هم متفقون على أن القرآن غير مخلوق، وعلى أن الله يرى في الآخرة".
26- وقال شيخ الإسلام: "ثم هذا الاعتقاد المشروح، مع أنه ليس فيه زيادة على اعتقاد المعتزلة البصريين، فاعتقاد المعتزلة البصريين خير منه فإن في هذا المعتقد من اعتقاد المتفلسفة في التوحيد ما لا يرضاه المعتزلة، كما نبهنا عليه فيما تقدم، وبينا أن ما ذكره من التوحيد ودليله هو مأخوذ من أصول الفلاسفة وأنه من أبطل الكلام.
وكان قد طلب منه([36]) شرح "العقيدة الأصفهانية"، فأجاب إلى ذلك ، واعتذر بأنه لا بد عند شرح ذلك الكلام من مخالفة بعض مقاصده لما توجبه قواعد الإسلام، فإن الحق أحق أن يتبع " اهـ.
فأنت ترى أنه يذكر مثالب الكتاب، ولا يعرج على ذكر محاسنه، بل ذكر كتابه الآخر مقتصرا على ذكر المثالب، أفلو كان ذكر المحاسن واجبا، أفتراه يسكت عن محاسن الكتابين؟!
([1]) في الرد على الأخنائي.
([2]) ((عقيدة الحافظ عبد الغني )) (ص 121).
([3]) الموضوعات (1/51).
([4]) كذا في الأصل ولعله (فهم)
([5]) مجموع الرسائل والمسائل (5/105).
([6]) أخرجه: الإمام أحمد (3/ 387)، والدارمي (1/ 5 1 1)، وابن عبدالبر في "جامع بيان العلم (2/ 42)، وابن أبي عاصم في "السنة" (5/ 2).
وهو حديث حسن. وانظر: الإرواء " (6/ 338- 0 34).
([7]) مجموع الفتاوى (28/520).
([8]) النور : 2.
([9]) المدثر : 5.
([10]) المزمل : 10.
([11]) النساء : 140.
([12]) تفسير سورة النور" لابن تيمية، تحقيق علي العلي عبدالحميد حامد. (ص31-33).
([13]) (2-117).
([14]) (6/118).
([15]) (1/232).
([16]) التوبة : 6.
([17]) (1/232).
([18]) الاعتصام (1/120).
([19]) الاعتصام (2/228-229).
([20]) (ص282).
([21]) الميزان (1/430-431).
([22]) أعني: كتب تلاميذ الكوثري وغيرهم من المبتدعة الذين تستروا بدعوة الإخوان المسلمين.
([23]) (2/806-808).
([24]) الفرق بين النصيحة والتعيير (ص30-33).
([25]) (1/50).
([26]) "طبقات الشافعية" للسبكي (6/ 243)، ودافع السبكي عن الغزالي دفاع عميان المتعصبين القاثم على التمويهات والمغالطات.
([27]) (21/185).
([28]) آل عمران: 26.
([29]) (2/452).
([30]) (ص162) بتحقيق محمود مهدي إستامبولي.
([31]) أي: ابن الجوزي .
([32]) أي : ابن الجوزي .
([33])أي : ابن الجوزي .
([34]) مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح)) ص 141.
([35]) التوسل والوسيلة (ص164/فقرة 489) تحقيق المؤلف.
([36]) أي: شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر شرح العقيدة الأصفهانية ص 3
تأليف
د. ربيع بن هادي عمير المدخلي
1- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "السياسة الشرعية" (ص 123): "وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، وكذلك كثير من أصحاب مالك، وقالوا: إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض، لا لأجل الردة" اهـ.
2- وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "من قامت عليه الحجة من أهل البدع ، استحق العقوبة، وإلا، كانت أعماله البدعية المنهي عنها باطلة لا ثواب فيها، وكانت منقصة له، خافضة له، مسقطة لحرمته ودرجته، فإن هذا حكم أهل الضلال وجزاؤهم، والله حكم عدل، لا يظلم مثقال ذرة، وهو عليم حكيم "([1]) اهـ.
3- رأي الحافظ تقي الدين أبي محمد عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي رحمه الله في الطوائف ([2]).
قال رحمه الله: "واعلم رحمك الله أن الإسلام وأهله أتوا من طوائف ثلاثة:
ا) فطائفة ردت أحاديث الصفات، وكذبوا رواتها، فهؤلاء أشد ضررا على الإسلام وأهله من الكفار.
2) وطائفة قالوا بصحتها وقبولها، ثم تأولوها؟ فهؤلاء أعظم ضررا من الطائفة الأولى.
3) والثالثة: جانبوا القولين الأولين، وأخذوا- بزعمهم - ينزهون وهم يكذبون، فأداهم ذلك إلى القولين الأولين، وكانوا أعظم ضررا من الطائفتين الأوليين " ا هـ.
4- وقال ابن الجوزي ([3]) : "قال أبو الوفاء علي بن عقيل الفقيه: قال شيخنا أبو الفضل الهمذاني: مبتدعة الإسلام والواضعين للأحاديث أشد من الملحدين، لأن الملحدين قصدوا (فساد الدين من خارج، وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل، فهم كأهل بلد سعوا في إفساد أحواله، والملحدون كالمحاصرين من خارج، فالدخلاء يفتحون الحصن، فهو([4]) شر على الإسلام من غير الملابسين له ".
قلت: فهذا كلام في طوائف تنتمي إلى الإسلام، ولا شك أن لهم محاسن، فلم يذكرها هؤلاء العلماء العظماء، لأن ذكرها غير واجب.
ثم منهج السلف الصالح هو التحذير من الكتب التي فيها بدع، صيانة لمنهج المسلمين من ضررها وخطرها، وليس من الظلم أن يذكر المسلم الناصح من كتاب مثالب موجودة فيه، تحذيرا للمسلمين من ضرره، ولو لم يذكر محاسنه، بل من الظلم أن يُثْلَبَ بما ليس فيه، ولو كان كاتبه كافرا.
5- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فالكذب على الشخص حرام كله ، سواء كان الرجل مسلما أو كافرا أو فاجرا، لكن الافتراء على المؤمن أشد، بل الكذب كله حرام، ولكن يباح عند الحاجة الشرعية المعاريض ([5]) اهـ.
ولقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من قراءة كتب أهل الكتاب، فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فغضب، فقال: "أمتهوكون يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى عليه السلام كان حيا ، ما وسعه إلا أن يتبعني " ([6]) .
6- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهذه حقيقة قول من قال من السلف والأئمة: إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يناكحون.
فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا، ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية، لأن الداعية أظهر المنكرات، فاستحق العقوبة، بخلاف الكاتم، فإنه ليس شرا من المنافقين، الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله، مع علمه بحال كثير منهم "([7]) اهـ.
7- وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عند تفسير قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}([8]).
"فأمر بعقوبتهما وعذابهما بحضور طائفة من المؤمنين، وذلك بشهادته على نفسه، أو بشهادة المؤمنين عليه، لأن المعصية إذا كانت ظاهرة، كانت عقوبتها ظاهرة، كما جاء في الأثر: "من أذنب سرا، ليتب سرا، ومن أذنب علانية، فليتب علانية"، وليس من الستر الذي يحبه الله تعالى، كما في الحديث: "من ستر مسلما، ستره الله "، بل ذلك إذا ستر، كان ذلك إقرارا لمنكر ظاهر، وفي الحديث: "إن الخطيئة إذا خفيت، لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت فلم تنكر، ضرت العامة"، فإذا أعلنت، أعلنت عقوبتها، بحسب العدل الممكن.
ولهذا لم يكن للمعلن بالبدع والفجور غيبة، كما روي ذلك عن الحسن البصري وغيره، لأنه لما أعلن ذلك، استحق عقوبة المسلمين له، وأدنى ذلك أن يذم عليه، لينزجر ويكف الناس عنه وعن مخالطته، ولو لم يذم ويذكر بما فيه من الفجور والمعصية أو البدعة، لاغتر به الناس، وربما حمل بعضهم على أن يرتكب ما هو عليه، ويزداد أيضا هو جرأة وفجورا ومعاصي، فإذا ذكر بما فيه، انكف وانكف غيره عن ذلك وعن صحبته ومخالطته.
قال الحسن البصري: أترغبون عن ذكر الفاجر؟! اذكروه بما فيه كي يحذره الناس، وقد روي مرفوعا.
والفجور اسم جامع لكل متجاهر بمعصية أو كلام قبيح يدل السامع له على فجور قلب قائله، ولهذا كان مستحقا للهجر إذا أعلن بدعة أو معصية أو فجورا أوتهتكا أومخالطة لمن هذا حاله، بحيث لا يبالي بطعن الناس عليه، فإن هجره نوع تعزير له.
فإذا أعلن السيئات، أعلن هجره، وإذا أسر، اسر هجره، إذ الهجرة هي الهجرة على السيئات، وهجرة السيئات هجرة ما نهى الله عنه، كما قال تعالى: {والرجز فاهجر}([9])، وقال تعالى: {واهجرهم هجرا جميلا}([10])، وقال تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم }([11]) 000 إلخ " ([12]) اهـ.
8- وقال ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم "([13]) : "أخبرنا إسماعيل بن عبدالرحمن، قال: حدثنا إبراهيم بن بكر، قال: سمعت أبا عبدالله محمد بن أحمد بن إسحاق بن خويز منداد المصري المالكي، قال في (كتاب الإجارات) من كتابه في الخلاف: قال مالك: لا تجوز الإجارات في شيء من كتب الأهواء والبدع والتنجيم، وذكر كتبا، ثم قال: وكتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم، وتفسخ الإجارة في ذلك. قال: وكذلك كتاب القضاء بالنجوم وعزائم الجن وما أشبه ذلك. وقال في (كتاب الشهادات) في تأويل قول مالك: "لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء"، قال: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم، فهو من أهل الأهواء والبدع، أشعريا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً، ويهجر، ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها، استتيب منها" اهـ.
9- وقال ابن عبدالبر في كتابه "التمهيد" عقب حديث كعب بن مالك في قصة الثلاثة الذين خلفوا: "وفي حديث كعب هذا دليل على أنه جائز أن يهجر المرء أخاه إذا بدت منه بدعة أو فاحشة يرجو أن يكون هجرانه تأديبا له وزجرا عنه)) ([14]) 1هـ.
10 - وروى الخطيب البغدادي([15]) بإسناده إلى الفضل بن زياد، قال: "وسألت أبا عبدالله عن الكرابيسي وما أظهر، فكلح وجهه، ثم أطرق، ثم قال: هذا قد أظهر رأي جهم، قال الله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله }([16])، فممن يسمع، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "فله الأمان حتى يسمع كلام الله "، إنما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها، تركوا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأقبلوا على هذه الكتب " اهـ.
11- قال الشيخ شمس الدين أبوعبدالله محمد بن مفلح في كتابه "الآداب الشرعية" ([17]) : "وذكر الشيخ موفق الدين رحمه الله في المنع من النظر في كتب المبتدعة، قال: وكان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع، والنظر في كتبهم، والاستماع لكلامهم " اهـ.
2 1- انظر كلام الإمام البغوي المتقدم في (ص 26- 27).
13- قال الشاطبي رحمه الله: "فإن فرقة النجاة - وهم أهل السنة - مأمورون بعداوة أهل البدع، والتشريد بهم، والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم، بالقتل فما دونه، وقد حذر العلماء من مصاحبتهم ومجالستهم، وذلك مظنة إلقاء العداوة والبغضاء، لكن الدرك فيها على من تسبب في الخروج عن الجماعة بما أحدثه من اتباع غير سبيل المؤمنين، لا على التعادي مطلقا، كيف ونحن مأمورون بمعاداتهم وهم مأمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة ؟) ([18]) اهـ
14- وقال الشاطبي أيضا رحمه الله ([19]) : "حين تكون الفرقة تدعو إلى ضلالتها وتزينها في قلوب العوام ومن لا علم عنده، فإن ضرر هؤلاء على المسلمين كضرر إبليس، وهم من شياطين الإنس، فلا بد من التصريح بأنهم من أهل البدع والضلالة، ونسبتهم إلى الفرق إذا قامت له الشهود على أنهم منهم.
فمثل هؤلاء لا بد من ذكرهم والتشريد بهم، لأن ما يعود على المسلمين من ضررهم إذا تركوا أعظم من الضرر الحاصل بذكرهم والتنفير عنهم إذا كان سبب ترك التعيين الخوف من التفرق والعداوة، ولا شك أن التفرق بين المسلمين وبين الداعين للبدعة وحدهم إذا أقيم عليهم أسهل من التفرق بين المسلمين وبين الداعين ومن شايعهم واتبعهم، وإذا تعارض الضرران، فالمرتكب أخفهما وأسهلهما، وبعض الشر أهون من جميعه كقطع اليد المتأكله، إتلافها أسهل من إتلاف النفس، وهذا شأن الشرع أبدا، يطرح حكم الأخف وقاية من الأثقل ".
قلت: فهذا هو مذهب السلف، وهذه هي أحكامهم، وهذا هو تعاملهم مع الكتب ومع أهلها أهل البدع، كما ترى في كلام ابن تيمية والبغوي والشاطبي، وفي كلام ابن عبدالبر عن مالك وأصحابه، وكما في كلام الخطيب والموفق ابن قدامة عن الإمام أحمد والسلف قاطبة.
15- وقال ابن القيم في "الطرق الحكمية" ([20]) : " (فصل): وكذلك لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها: قال المروذي: قلت لأحمد: استعرت كتابا فيه أشياء رديئة، ترى أن أخرقه أو أحرقه، قال: نعم، فأحرقه.
وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم بيد عمر كتابا اكتتبه من التوراة، وأعجبه موافقته للقرآن، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى ذهب به عمر إلى التنور، فألقاه فيه.
فكيف لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنف بعده من الكتب التي يعارض بها ما في القرآن والسنة ؟! والله المستعان.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كتب عنه شيئا غير القرآن أن يمحوه، ثم أذن في كتابة سنته، ولم يأذن في غير ذلك.
وكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة غير مأذون فيها، بل مأذون في محوها وإتلافها، وما على الأمة أضر منها، وقد حرق الصحابة جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثمان لما خافوا على الأمة من الاختلاف، فكيف لو رأوا هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق بين الأمة... ".
ثم قال ابن القيم: "والمقصود أن هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف، وإتلاف آنية الخمر، فإن ضررها أعظم من ضرر هذه، ولا ضمان فيها، كما لا ضمان في كسر أواني الخمر وشق الزقاق " اهـ.
16- وقال الذهبي: "قال الحافظ سعيد بن عمرو البردعي: شهدت أبا زرعة - وقد سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه- فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر، فإنك تجد فيه ما يغنيك. قيل له: في هذه الكتب عبرة. فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة، فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن سفيان ومالكا والأوزاعي صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس؟! ما أسرع الناس إلى البدع!
مات الحارث سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
وأين مثل الحارث؟! فكيف لو رأى أبو زرعة تصانيف المتأخرين، كـ " القوت " لأبي طالب؟! وأين مثل " القوت " ؟! كيف لو رأى "بهجة الأسرار" لابن جهضم و"حقائق التفسير" للسلمي، لطار لبه؟! كيف لو رأى تصانيف أبي حامد الطوسي في ذلك على كثرة ما في "الإحياء" من الموضوعات؟! كيف لو رأى "الغنية" للشيخ عبدالقادر؟! كيف لو رأى "فصوص الحكم " و " الفتوحات المكية"؟!
بلى؟ لما كان الحارث لسان القوم في ذاك العصر، كان معاصره ألف إمام في الحديث، فيهم مثل أحمد بن حنبل وابن راهويه، ولما صار أئمة الحديث مثل ابن الدخميسي وابن شحانة، كان قطب العارفين كصاحب "الفصوص " وابن سبعين، نسأل الله العفو والمسامحة آمين" ([21]) اهـ.
أقول: رحم الله الإمام الذهبي، كيف لو رأى مثل "الطبقات " للشعراني، و"جواهر المعاني " و"بلوغ الأماني في فيض أبي العباس التيجاني " لعلي بن حرازم الفاسي؟! كيف لو رأى "خزينة الأسرار" لمحمد حقي النازلي؟! كيف لو رأى " نور الأبصار" للشبلنجي؟! كيف لو رأى "شواهد الحق في جواز الاستغاثة بسيد الخلق " و"جامع كرامات الأولياء" للنبهاني ؟! كيف لو رأى " تبليغي نصاب " وأمثاله من مؤلفات أصحاب الطرق الصوفية ؟! كيف لو رأى مؤلفات غزالي هذا العصر وهي تهاجم السنة النبوية وتسخر من حملتها والمتمسكين بها من الشباب السلفي وتقذفهم بأشنع التهم وأفظع الألقاب؟! كيف لو رأى مؤلفات المودودي وما فيها من انحراف عقدي وعقلي وسلوكي؟! كيف لو رأى مصنفات القرضاوي وهي تدافع عن أهل البدع وتنتصر لها، بل تشرح أصولها، والذي ينحى منحى غزالي هذا العصر، بل هو أخطر؟! كيف لو رأى دعاة زماننا وقد أقبلوا على هذه الكتب المنحرفة، وهم يسيرون ويسيرون شبابهم وأتباعهم على مناهج الفرق المنحرفة الضالة، بل وينافحون عنها وعن قاداتها المبتدعين؟! كيف لو رأى مصنفات سعيد حوى الصوفية والسياسية المنحرفة؟! كيف لو رأى مصنفات الكوثري وتلاميذه أبي غدة وإخوانه من كبار متعصبي الصوفية والمذهبية؟! كيف لو رأى مصنفات البوطي وأمثاله من خصوم السنة وخصوم مدرسة التوحيد ومدرسة ابن تيمية؟! كيف لو رأى شباب الأمة بل شباب التوحيد وقد جهلوا منهج السلف بل جهلوا الكتاب والسنة وأقبلوا على هذه الكتب المهلكة ([22]) ؟!
ويا ويل من يتعرض لنقدها ويريد حماية دينهم وعقائدهم من ضلالاتها!
يا ويله! من يحميه من سهامهم واتهاماتهم الجريئة؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون!
17- قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في "شرح علل الترمذي "([23]): "وقد تسلط كثير ممن يطعن في أهل الحديث عليهم بذكر شيء من هذه العلل، وكان مقصوده بذلك الطعن في الحديث جملة والتشكيك فيه، أو الطعن في غير حديث أهل الحجاز، كما فعله حسين الكرابيسي في كتابه الذي سماه بـ "كتاب المدلسين "، وقد ذكر كتابه هذا للإمام أحمد، فذمه ذما شديدا، وكذلك أنكره عليه أبو ثور وغيره من العلماء.
قال المروزي: مضيت إلى الكرابيسي، وهو إذ ذاك مستور، يذب عن السنة، ويظهر نصرة أبي عبدالله، فقلت له: إن كتاب "المدلسين" يريدون أن يعرضوه على أبي عبدالله، فأظهر أنك ندمت حتى أخبر أبا عبدالله. فقال لي: إن أبا عبدالله رجل صالح، مثله يوفق لإصابة الحق، وقد رضيت أن يعرض كتابي عليه، وقد سألني أبو ثور وابن عقيل وحبيش أن أضرب على هذا الكتاب، فأبيت عليهم، وقلت: بل أزيد فيه، ولج في ذلك، وأبى أن يرجع عنه، فجيء بالكتاب إلى أبي عبدالله وهو لا يدري من وضع الكتاب، وكان في الكتاب الطعن على الأعمش والنصرة للحسن بن صالح، وكان في الكتاب: "إن قلتم: إن الحسن بن صالح كان يرى رأي الخوارج، فهذا ابن الزبير قد خرج "، فلما قرىء على أبي عبدالله، قال: "هذا قد جمع للمخالفين ما لم يحسنوا أن يحتجوا به، حذروا عن هذا"، ونهى عنه ".
قال ابن رجب رحمه الله: "وقد تسلط بهذا الكتاب طوائف من أهل البدع من المعتزلة وغيرهم في الطعن على أهل الحديث، كابن عباد الصاحب ونحوه، وكذلك بعض أهل الحديث ينقل منه دسائس، إما أنه يخفى عليه أمرها، أو لا يخفى عليه، في الطعن في الأعمش ونحوه، كيعقوب الفسوي وغيره.
وأما أهل العلم والمعرفة والسنة والجماعة، فإنما يذكرون علل الحديث نصيحة للدين، وحفظا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وصيانة لها، وتمييزا مما يدخل على رواتها من الغلط والسهو والوهم، ولا يوجب ذلك طعنا في غير الأحاديث المعللة، بل تقوى بذلك الأحاديث السليمة عندهم، لبراءتها من العلل، وسلامتها من الآفات، فهؤلاء هم العارفون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا، وهم النقاد الجهابذة الذين ينتقدون الحديث انتقاد الصيرفي الحاذق للنقد البهرج من الخالص، وانتقاد الجوهري الحاذق للجوهر مما دلس به " اهـ.
18- قال الحافظ ابن رجب رحمه الله ([24]) : "وقد كان بعض السلف إذا بلغه قول ينكره على قائله يقول: "كذب فلان "، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : "كذب أبو السنابل "، لما بلغه أنه أفتى أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا لا تحل بوضع الحمل حتى تأتي عليها أربعة أشهر وعشرا.
وقد بالغ الأئمة الورعون في إنكار مقالات ضعيفة لبعض العلماء، وردها أبلغ الرد، كما كان الإمام أحمد (164- 241 هـ) ينكر على أبي ثور (240 هـ) وغيره مقالات ضعيفة تفردوا بها، ويبالغ في ردها عليهم.
هذا كله حكم الظاهر، وأما في باطن الأمر، فإن كان مقصوده في ذلك مجرد تبيين الحق ولئلا يغتر الناس بمقالات من أخطأ في مقالاته، فلا ريب أنه مثاب على قصده، ودخل بفعله هذا بهذه النية في النصح لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم.
وسواء كان الذي بين الخطأ صغيرا أم كبيرا، فله أسوة بمن رد من العلماء مقالات ابن عباس ".
ثم ذكر سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وطاوس وغيرهم "ممن أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم ومحبتهم والثناء عليهم، ولم يعد أحد منهم ما خالفوه في هذه المسائل ونحوها طعنا في هؤلاء الأئمة ولا عيبا لهم، وقد امتلأت كتب أئمة المسلمين من السلف والخلف بتبيين هذه المقالات وما أشبهها مثل كتب الشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور ومن بعدهم من أئمة الفقه والحديث وغيرهما ممن ادعوا هذه المقالات ما كان بمثابتها شيء كثير، ولو ذكرنا ذلك بحروفه لطال الأمر جدا.
وأما إن كان مراد الراد بذلك إظهار عيب من رد عليه، وتنقصه، وتبيين جهله وقصوره في العلم، ونحو ذلك، كان محرما، سواء كان رده لذلك في وجه من رد عليه أو في غيبته، وسواء كان في حياته أو بعد موته، وهذا داخل فيما ذمه الله تعالى في كتابه، وتوعد عليه في الهمز واللمز، وداخل أيضا في قول النبي صلى الله عليه وسلم "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه! لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم، يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته، يفضحه، ولو في جوف بيته ".
وهذا كله في حق العلماء المقتدى بهم في الدين، فأما أهل البدع والضلالة ومن تشبه بالعلماء وليس منهم، فيجوز بيان جهلهم، وإظهار عيوبهم، تحذيرا من الاقتداء بهم، وليس كلامنا الآن في هذا القبيل، والله أعلم".
19- وقال الحافظ ابن رجب أيضا رحمه الله في "شرح علل الترمذي([25]) " : "قال ابن أبي الدنيا: نا أبو صالح المروزي: سمعت رافع بن أشرس، قال: كان يقال: "من عقوبة الكذاب أن لا يقبل صدقه ". وأنا أقول: من عقوبة الفاسق المبتدع أن لا تذكر محاسنه ".
قال المحقق: "قال الكنكوهي في " الكوكب الدري " (1/ 347): إنه صاحب بدعة، لا ينبغي أن يأخذ العلماء منه، ولا أن يتركوا العامة يسألون عنه ويجلسون إليه، فلما كان كذلك، لا يتحدث عنه أحد فيموت ذكره، ولا يشتهر أمره، فعلم أن العلماء يجوز لهم بل يجب أن يظهروا للناس عيبه ويمنعوهم عن الأخذ عنه ".
قلت: وما أشبه الليلة بالبارحة! فخصوم السنة والتوحيد يستغلون اليوم كتابات وأشرطة بعض من ينتسبون إلى السنة والتوحيد في الطعن في أعلام السنة والتوحيد ودعاتهما، بل الأشد نكاية وفجيعة أن يتأثر بهذه الأشرطة والكتابات والدعايات كثير من أبناء التوحيد والسنة، فيسددون سهام التجريح والتهم الظالمة إلى أعلام التوحيد والسنة وحملة راياتهما والمدافعين عن حياضهما، والأشد من ذلك أسفا وفواجع أن يتعاطفوا ويتضامنوا مع أهل البدع والضلال في تسديد السهام المسمومة التي يعدها أعداء السنة والتوحيد السهام الأخيرة للإجهاز على البقية الباقية من السنة والتوحيد.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على النفس من وقع الحسام المهند
فإنا لله وانا إليه راجعون.
انظر أخي واعتبر! كيف وقف الإمام أحمد ومن وراءه من أهل السنة من كتاب "المدلسين " للكرابيسي، ولعله خير آلاف المرات وأقل خطرا آلاف المرات من كتب يدافع عنها أبناء السنة والتوحيد لأهل البدع والضلال، فإنا لله وانا إليه راجعون مرات ومرات أخرى !
20- قال السبكي بعد أن ذكر طعن المازري في الغزالي: "وقد سبقه إلى قريب منه من المالكية أبو الوليد الطرطوشي، فذكر في "رسالة إلى ابن مظفر": فأما ما ذكرت من أمر الغزالي، فرأيت الرجل وكلمته، فرأيته رجلا من أهل العلم، قد نهضت به فضائله، واجتمع فيه العقل والفهم وممارسة العلوم طول زمانه، ثم بدا له الانصراف عن طريق العلماء، ودخل غمر العمال، ثم تصوف، فهجر العلوم وأهلها، ودخل في علم الخواطر وأرباب القلوب ووساوس الشيطان، ثم شابها باراء الفلاسفة ورموز الحلاج، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين، ولقد كاد ينسلخ من الدين، فلما عمل "الإحياء" ، عمد يتكلم في علوم الأحوال ومرامز الصوفية، وكان غير أنيس بها، ولا خبير بمعرفتها، فسقط على أم رأسه، وشحن كتابه بالموضوعات " ([26]) اهـ.
21- قال الونشريسي في "المِعْيار المُعْرب "([27]) : "قال ابن القطان: لما وصل "إحياء علوم الدين " إلى قرطبة، تكلموا فيه بالسوء، وأنكروا عليه أشياء، لا سيما قاضيهم ابن أحمدين، فإنه أبلغ في ذلك، حتى كفر مؤلفه، وأغرى السلطان به، واستشهد بفقهائه، فأجمع هو وهم على حرقه، فأمر علي بن يوسف بذلك بفتياهم، فأحرق بقرطبة على الباب الغربي في رحبة المسجد بجلوده بعد إشباعه زيتا بمحضر جماعة من أعيان الناس، ووجه إلى جميع بلاده يأمر بإحراقه، وتوالى الإحراق على ما اشتهر عنه ببلاد المغرب في ذلك الوقت، فكان إحراقه سببا لزوال ملكهم وانتشار سلكهم؟ وتوالي الهزائم عليهم " اهـ.
أقول: والربط بين زوال ملكهم وبين إحراق "الاحياء" غير صحيح،
فإن الصحابة أحرقوا المصاحف تجنيبا للأمة فتنة الضلال والاختلاف أيضا، والصواب أن يقال: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء}([28])، ثم يقال: السبب في زوال ملكهم كثرة ذنوبهم ومعاصيهم.
قال الذهبي في العبر ([29]) في وفيات سنة سبع وثلاثين وخمس مائة:"وعلي بن يوسف بن تاشفين أمير المسلمين وصاحب المغرب، كان يرجع إلى عدل ودين وتعبد وحسن طوية وشدة إيثار لأهل العلم وذم للكلام وأهله، لما وصلت إليه كتب أبي حامد، أمر بإحراقها وشدد في ذلك، ولكنه كان مستضعفا مع رؤوس أمرائه، فلذلك ظهرت مناكير خمور في دولته، فتغافل، وعكف عن العبادة، وتوثب عليه ابن تومرت، ثم صاحبه عبد المؤمن " اهـ.
فهذا سبب زوال ملكهم: ظهور المنكرات والخمور، وضعف علي بن يوسف.
22- وقال ابن الجوزي في "تلبيس إبليس " ([30]) : "ثم جاء أقوام- يعني: من الصوفية - فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوساوس والخطرات، وصنفوا في ذلك، مثل الحارث المحاسبي.
وجاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف وأفردوه بصفات ميزوه بها من الاختصاص بالمرقعة والسماع والوجد والرقص والتصفيق، وتميزوا بزيادة النظافة والطهارة.
ثم ما زال الأمر ينمو والأشياخ يضعون لهم أوضاعا ويتكلمون بواقعاتهم، ويتفق بعدهم عن العلماء، لا بل رؤيتهم ما هم فيه أوفى العلوم، حتى سَمَّوهُ العلم الباطن، وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر.
ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة، فادعى عشق الحق والهيمان فيه، فكأنهم تخايلوا شخصا مستحسن الصورة، فهاموا به، وهؤلاء بين الكفر والبدعة.
ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق.، ففسدت عقائدهم، فمن هؤلاء منقالوا بالحلول، ومنهم من قال بالاتحاد.
وما زال إبليس يخبطهم بفنون البدع حتى جعلوا لأنفسهم سننا.
وجاء أبوعبدالرحمن السلمي فصنف لهم كتاب "السنن "، وجمع لهم "حقائق التفسير"، فذكر عنهم فيه العجب في تفسيرهم القرآن بما يقع لهم، من غير إسناد ذلك إلى أصل من أصول العلم، وإنما حملوه على مذاهبهم، والعجب من ورعهم في الطعام وانبساطهم في القرآن.
وقد أخبرنا أبو منصور عبدالرحمن القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب: قال لي محمد بن يوسف القطان النيسابوري، قال: كان أبو عبدالرحمن السلمي غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئا يسيرا، فلما مات الحاكم أبوعبدالله بن البيع، حدث عن الأصم؟ بـ "تاريخ يحيى بن معين " وبأشياء كثيرة سواه، وكان يضع للصوفية الأحاديث.
قال المصنف([31]) : وصنف لهم أبو نصر السراج كتابا سماه "لمع الصوفية"، ذكر فيه من الاعتقاد القبيح والكلام المرذول ما سنذكر منه جملة إن شاء الله تعالى.
وصنف لهم أبو طالب المكي "قوت القلوب "، فذكر فيه الأحاديث الباطلة وما لا يستند فيه إلى أصل، من صلوات الأيام والليالي وغير ذلك من الموضوعات، وذكر فيه الاعتقاد الفاسد، وردد فيه قول: "قال بعض المكاشفين "، وهذا كلام فارغ، وذكر فيه عن بعض الصوفية أن الله عز وجل يتجلى في الدنيا لأوليائه.
أخبرنا أبو منصور القزاز: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: قال أبو طاهر محمد بن العلاف، قال: دخل أبو طالب المكي إلى البصرة بعد وفاة أبي الحسين بن سالم، فانتمى إلى مقالته، وقدم بغداد، فاجتمع الناس عليه في مجلس الوعظ، فخلط في كلامه، فحفظ عنه أنه قال: "ليس على المخلوق أضر من الخالق "، فبدعه الناس، وهجروه، فامتنع من الكلام على الناس بعد ذلك.
قال الخطيب: وصنف أبو طالب المكي كتابا سماه "قوت القلوب "على لسان الصوفية، وذكرفيه أشياء منكرة مستبشعة في الصفات.
قال المصنف ([32]): وجاء أبو نعيم الأصبهاني، فصنف لهم كتاب "الحلية"، وذكر في حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة، ولم يستح أن يذكر في الصوفية أبا بكر وعمر وعثمانا؟ وعليا وسادات الصحابة رضي الله عنهم، فذكر عنهم فيه العجب، وذكر منهم شريحا القاضي والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل، وكذلك ذكر السلمي في "طبقات الصوفية" الفضيل وإبراهيم بن أدهم ومعروفا الكرخي، وجعلهم من الصوفية، بأن أشار إلى أنهم من الزهاد.
فالتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد، ويدل على الفرق بينهم أن الزهد لم يذمه أحد، وقد ذموا التصوف على ما سيأتي ذكره.
وصنف لهم عبدالكريم بن هوازن القشيري كتاب "الرسالة"، فذكر فيها العجائب من الكلام في الفناء والبقاء، والقبض والجمع والتفرقة، والصحو والسكر، والذوق والشرب، والمحو والاثبات، والتجلي والمحاضرة والمكاشفة، واللوائح والطوالع واللوامع، والتكوين والتمكين، والشريعة والحقيقة... إلى غير ذلك من التخليط الذي ليس بشيء، وتفسيره أعجب منه.
وجاء محمد بن طاهر المقدسي، فصنف لهم صفوة التصوف، فذكر فيه أشياء يستحي العاقل من ذكرها، نذكر ما يصلح ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وجاء أبو حامد الغزالي، فصنف لهم كتاب "الإحياء" على طريقة القوم، وملأه بالأحاديث الباطلة وهو يعلم بطلانها، وتكلم في علم المكاشفة، وخرج عن قانون الفقه، وقال: إن المراد بالكواكب والشمس والقمر اللواتي رآهن ابراهيم صلوات الله عليه: أنوار هي حجب الله عز وجل، ولم يرد هذا في المعروفات، وهذا من جنس كلام الباطنية.
وقال في كتاب "المفصح بالأحوال ": إن الصوفية في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يرتقي الحال من مشاهدة الصور الى درجات يضيق عنها نطاق النطق.
قال المصنف([33]) وكان السبب في تصنيف هؤلاء مثل هذه الأشياء: قلة علمهم بالسنن والإسلام والآثار، وإقبالهم على ما استحسنوه من طريقة القوم، وإنما استحسنوها، لأنه قد ثبت في النفوس مدح الزهد، وما رأوا حالة أحسن من حالة هؤلاء القوم في الصورة، ولا كلاما أرق من كلامهم، وفي سير السلف نوع خشونة، ثم إن ميل الناس إلى هؤلاء القوم شديد، لما ذكرنا من أنها طريقة ظاهرها النظافة والتعبد، وفي ضمنها الراحة والسماع، والطباع تميل إليهما، وقد كان أوائل الصوفية ينفرون من السلاطين والأمراء، فصاروا أصدقاء.
وجمهور هذه التصانيف التي صنفت لهم لا تستند إلى أصل، وإنما هي واقعات تلقفها بعضهم عن بعض ودونها، وقد سموها بالعلم الباطن، والحديث بإسناد إلى أبي يعقوب إسحاق بن حية، قال: سمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن الوساوس والخطرات؟ فقال: ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون " ا هـ.
23- قال الحافظ ابن الصلاح رحمه الله: "قلت: ولقائل أن يقول: إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث في الجرح والتعديل، وقل ما يتعرضون فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على مجرد قولهم: فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء، ونحو ذلك، أو هذا حديث ضعيف، وهذا حديث غير ثابت، ونحو ذلك.
فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك، وسد باب الجرح في الأغلب الأكثر، وجوابه أن ذلك، وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به؟ فقد اعتمدناه في أن توقفنا في قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك؟ بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية يوجب مثلها التوقف".
قال العراقي متعقبا ابن الصلاح: "ومما يدفع هذا السؤال رأسأ أو يكون جوابا عنه: أن الجمهور إنما يوجبون البيان في جرح من ليس عالما بأسباب الجرح والتعديل، وأما العالم بأسبابهما، فيقبلون جرحه من غير تفسير، وبيان ذلك أن الخطيب حكى في "الكفاية" عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنه حكى عن جمهور أهل العلم: إذا جرح من لا يعرف الجرح، يجب الكشف عن ذلك. قال: ولم يوجبوا ذلك على أهل العلم بهذا الشأن. قال القاضي: والذي يقوي عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالما كما لا يجب استفسار المعدل عما به صار المزكي عدلا إلى آخر كلامه، وما حكيناه عن القاضي أبي بكر هو الصواب " ([34]) اهـ.
قلت: فأنت ترى أنهم لا يشترطون في الجارح أن يذكر الجوانب المشرقة في المجروح، وأن العالم بأسباب الجرح والتعديل يؤخذ كلامه مسلما عند جمهور العلماء، ويجب الكشف عن جرح غير العالم بأسباب الجرح والتعديل، ولا يتهمون أحدا بأنه ظالم إذا اقتصر على الجوانب المظلمة.
هذا هو المنهج الرشيد الذي يجب أن يعرفه الشباب السلفي، المنهج الذي دل عليه الكتاب والسنة، وسلكه خيار الأمة- محدثوها وفقهاؤها-، ومن شرط تطبيق هذا المنهج أن يكون الناقد مريدا بذلك وجه الله والنصيحة لله ولكتابه وصيانة دين الله وما حواه من عقائد وشرائع وعبادات.
ومما يؤسف له أشد الأسف أن أهل الباطل والبدع قد خدعوا كثيرأ من أذكياء طلاب العلم- فضلا عن غيرهم- بأنه لا يجوز الكلام في الدعاة، يريدون بذلك دعاة البدعة والضلال، يريدون بذلك إفساح المجال لانتشار خدعهم الهدامة، يريدون القضاء على دعوة التوحيد والسنة ومنهج السلف الصالح.
ومن فروع هذا المذهب الخداع هذه الشروط التي يشترطها بعض أبناء التوحيد: أنه لا بد في نقد أهل البدع - أو من يسمون بالدعاة من ذكر الجوانب المشرقة إلى جانب ذكر الجوانب المظلمة...
24- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: في الكلام على حديث رواه عبدالملك بن هارون: "لكنه قد رواه من صنف في عمل اليوم والليلة كابن السني وأبي نعيم، وفي مثل هذه الكتب أحاديث كثيرة موضوعة، لا يجوز الاعتماد عليها في الشريعة باتفاق العلماء، ورواه أبو الشيخ الإصبهاني في كتاب "فضائل الأعمال "، وفي هذا الكتاب أحاديث كثيرة كذب موضوعة([35])"اهـ
فترى شيخ الإسلام قد اقتصر على ذكر الجانب المظلم ولم يذكر الجوانب المشرقة، فلو كان إهمال المحاسن ظلما، فكيف يقدم على هذا الظلم؟! ولو كان من منهج السلف ضرورة ذكر المحاسن إذا ذكرت المثالب، فكيف يفسر معظم نقدهم الذي لا يذكرون فيه المجروحين والمبتدعين إلا بالجرح والطعن دون أن يعرجوا على جوانب المدح والمحاسن، كيف يفسر هذا التصرف؟!
25- قال شيخ الإسلام في "شرح الأصفهانية": "وما في هذا الاعتقاد المشروح هو موافق لقول الواقفة الذين لا يقولون بقول الأشعري وغيره من متكلمة أهل الإثبات وأهل السنة والحديث والسلف، بل يثبتون ما وافقه عليه المعتزلة البصريون، فإن المعتزلة البصريين يثبتون ما في هذا الاعتقاد، ولكن الأشعري وسائر متكلمة أهل الإثبات مع أئمة السنة والجماعة يثبتون الرؤية، ويقولون: القرآن غير مخلوق.
وقد رأيت اعتقادا مختصرا لصاحب مصنف هذا الاعتقاد المشروح، وهو مشهور بالعلم والحديث، وهو في الظاهر أشعري عند الناس، رأيت اعتقاده على هدا النمط، ذكر فيه أن الله متكلم آمر ناه كما يوافق عليه المعتزلة، ولم يذكر أن القرآن غير مخلوق، ولا أثبت الروية، بل جعلها مما تتأول، وكان يميل إلى الجهمية الذين ناظروا أحمد بن حنبل وسائر أئمة السنة في مسألة القرآن، ويرجح جانبهم، وحكى عنهم ذماً وسباً لأحمد بن حنبل، وهو بنى اعتقاده وركبه من قول الجهمية ومن قول الفلاسفة القائلين بِقِدَم العقول والنفوس، وهو من جنس القول المضاف إلى ديمقراطيس، وليس هذا مذهب الأشعرية، بل هم متفقون على أن القرآن غير مخلوق، وعلى أن الله يرى في الآخرة".
26- وقال شيخ الإسلام: "ثم هذا الاعتقاد المشروح، مع أنه ليس فيه زيادة على اعتقاد المعتزلة البصريين، فاعتقاد المعتزلة البصريين خير منه فإن في هذا المعتقد من اعتقاد المتفلسفة في التوحيد ما لا يرضاه المعتزلة، كما نبهنا عليه فيما تقدم، وبينا أن ما ذكره من التوحيد ودليله هو مأخوذ من أصول الفلاسفة وأنه من أبطل الكلام.
وكان قد طلب منه([36]) شرح "العقيدة الأصفهانية"، فأجاب إلى ذلك ، واعتذر بأنه لا بد عند شرح ذلك الكلام من مخالفة بعض مقاصده لما توجبه قواعد الإسلام، فإن الحق أحق أن يتبع " اهـ.
فأنت ترى أنه يذكر مثالب الكتاب، ولا يعرج على ذكر محاسنه، بل ذكر كتابه الآخر مقتصرا على ذكر المثالب، أفلو كان ذكر المحاسن واجبا، أفتراه يسكت عن محاسن الكتابين؟!
([1]) في الرد على الأخنائي.
([2]) ((عقيدة الحافظ عبد الغني )) (ص 121).
([3]) الموضوعات (1/51).
([4]) كذا في الأصل ولعله (فهم)
([5]) مجموع الرسائل والمسائل (5/105).
([6]) أخرجه: الإمام أحمد (3/ 387)، والدارمي (1/ 5 1 1)، وابن عبدالبر في "جامع بيان العلم (2/ 42)، وابن أبي عاصم في "السنة" (5/ 2).
وهو حديث حسن. وانظر: الإرواء " (6/ 338- 0 34).
([7]) مجموع الفتاوى (28/520).
([8]) النور : 2.
([9]) المدثر : 5.
([10]) المزمل : 10.
([11]) النساء : 140.
([12]) تفسير سورة النور" لابن تيمية، تحقيق علي العلي عبدالحميد حامد. (ص31-33).
([13]) (2-117).
([14]) (6/118).
([15]) (1/232).
([16]) التوبة : 6.
([17]) (1/232).
([18]) الاعتصام (1/120).
([19]) الاعتصام (2/228-229).
([20]) (ص282).
([21]) الميزان (1/430-431).
([22]) أعني: كتب تلاميذ الكوثري وغيرهم من المبتدعة الذين تستروا بدعوة الإخوان المسلمين.
([23]) (2/806-808).
([24]) الفرق بين النصيحة والتعيير (ص30-33).
([25]) (1/50).
([26]) "طبقات الشافعية" للسبكي (6/ 243)، ودافع السبكي عن الغزالي دفاع عميان المتعصبين القاثم على التمويهات والمغالطات.
([27]) (21/185).
([28]) آل عمران: 26.
([29]) (2/452).
([30]) (ص162) بتحقيق محمود مهدي إستامبولي.
([31]) أي: ابن الجوزي .
([32]) أي : ابن الجوزي .
([33])أي : ابن الجوزي .
([34]) مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح)) ص 141.
([35]) التوسل والوسيلة (ص164/فقرة 489) تحقيق المؤلف.
([36]) أي: شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر شرح العقيدة الأصفهانية ص 3
من مواضيعي
0 السلام عليكم
0 نصيحة إلى أبناء الجزائر: بيان من مشايخ الإصلاح
0 قصة حقيقة مؤثرة/قصة الأخ سليم مع أمه .
0 منبر خاص بالبطاقات الدعوية وصنع التواقيع
0 حتى لا نخرّب أوطاننا بأيدينا/ خطبة جمعة للأخينا الفاضل خالد حمودة -حفظه الله-
0 العِزّة فى الانتساب إلى السلف الصالح
0 نصيحة إلى أبناء الجزائر: بيان من مشايخ الإصلاح
0 قصة حقيقة مؤثرة/قصة الأخ سليم مع أمه .
0 منبر خاص بالبطاقات الدعوية وصنع التواقيع
0 حتى لا نخرّب أوطاننا بأيدينا/ خطبة جمعة للأخينا الفاضل خالد حمودة -حفظه الله-
0 العِزّة فى الانتساب إلى السلف الصالح
التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الرحمن2 ; 31-10-2008 الساعة 10:50 AM











