الأشاعرة المؤولة ترد على الأشاعرة المفوضة
11-06-2009, 11:29 PM
اختلفوا في صفات الله ، هل تؤول أم تفوض
الأشاعرة المؤولة ترد على الأشاعرة المفوضة
الأشاعرة المؤولة ترد على الأشاعرة المفوضة
هذا الاختلاف بينهم يظهر الحقيقة التالية : أن الأشاعرة فرقتان لا فرقة واحدة :
الفرقة الأولي : تؤول صفات الله وتتهم التي تفوض بأنها تصف النبي بالجهل وتصف الله بالكذب كما ستري .
الفرقة الثانية : لا تتعرض للتأويل بل تحرمه وتدعو للتفويض . وتتهم الأولي بأنها تقول على الله ما لا تعلم . لأن التأويل محتمل والمحتمل مطرود في العقائد .
ولما قال والد الجويني أن الحروف المقطعة من قبيل الصفات مرجحاً بذلك التفويض زاعماً أنه طريق السلف ([1]).
رد عليه القشيري في التذكرة الشرقية قائلاً :
" وكيف يسوغ لقائل أن يقول في كتاب الله ما لا سبيل لمخلوق إلى معرفته ولا يعلم تأويله الا الله ؟
أليس هذا من أعظم القدح في النبوات وأن النبي صلي الله عليه وسلم ما عرف تأويل ما ورد في صفات الله تعالي ودعا الخلق إلى علم ما لا يعلم ؟
أليس الله يقول ( بلسان عربي مبين ) ؟ فإذن : على زعمهم يجب أن يقولوا كذب حيث قال " بلسان عربي مبين " إذ لم يكن معلوماً عندهم ، وإلا : فأين هذا البيان ؟
وإذا كان بلغة العرب فكيف يدعي أنه مما لا تعلمه العرب ؟
ونسبة النبي صلي الله عليه وسلم إلى إنه دعا إلى رب موصوف بصفات لا تعقل : أمر عظيم لا يتخيله مسلم فأن الجهل بالصفات يؤدي إلى الجهل بالموصوف .
وقول من يقول : استواؤه صفة ذاتية لا يعقل معناها واليد صفة ذاتية لا يعقل معناها والقدم صفة ذاتية لا يعقل معناها تمويه ضمنه تكييف وتشبيه ودعاء إلى الجهل . وإن قال الخصم بأن هذه الظواهر لا معني لها أصلاً فهو حكم بأنها ملغاة وما كان في إبلاغها إلينا فائدة وهي هدر . وهذا محال وهذا مخالف لمذهب السلف القائلين بإمرارها على ظواهرها " .انتهي
فهذا خلاف أشعري أشعري وفيه اتهام للمفوضة من الأشاعرة بأنهم نسبوا النبي إلى الجهل ونسبوا الله إلى الكذب وأنهم واقعون في التكييف والتشبيه وملزمون بالغاء الوحي لأنهم الغوا معانيه . وهي اتهامات تعني الكفر.
تناقض المفوضة فيما بينهم
فاحتجاج المفوضة بعبارة " أمروها على ظاهرها " يناقض قولهم بان ظاهرها غير مراد . إذ أن إجراء النصوص على ظاهرها يقتضي الإيمان بهذا الظاهر من غير تأويل .
وقولهم بأن ظاهرها غير مراد يقتضي إبطال هذا الإيمان وعدم إجرائها عن ظاهرها .
وقولهم تجري على ظاهرها يناقض قولهم لها تأويل لا يعلمه الا الله ، فإنهم بإجرائها على ظاهرها أبطلوا كل تأويل يخالف هذا الظاهر , ثم أثبتوا لها تأويلاً يخالف هذا الظاهر لا يعلمه إلا الله .
فهم تارة يجعلون الظاهر مراداً ، وتارة يجعلونه غير مراد وإنما المراد هو التأويل الباطن الذي لا يعلمه أحد حتي الراسخون في العلم !
انقسام المفوضة فيما بينهم :
وقد أنقسم المفوضة إلى قسمين :
1. قسم يزعمون أن ظواهر نصوص الصفات تقتضي التمثيل . فيحكمون بان المراد بها خلاف ظاهرها ، ثم لا يعينون المراد .
2. قسم يقولون : تجري على ظاهرها ولها تاويل لا يعلمه إلا الله خلاف الظاهر منها وهؤلاء متناقضون ([2]) .
وبينما يزعم الرازي أن مذهب السلف " وجوب " تفويض معاني الصفات ولا يجوز الخوض في تفسيرها ، ينقد هذا الزعم بإجماع جمهور المتكلمين بأنه " يجب " الخوض في المتشابهات " ([3])
ثم يأتي متناقض معاصر وهو الحبشي فيناقض قول الرازي ويزعم بأن التأويل التفصيلي كان طريقة السلف ([4]) .
الجويني ينتقد الأشاعرة الأوائل
لتأويلهم بعض الصفات دون البعض الآخر
واعترف ابن فورك أن المتأخرين من الأشاعرة ذهبوا إلى تأويل الاستواء بالقهر والغلبة مخالفين بذلك قول الأشعري والمتقدمين من أصحابه . وقد رد أبو منصور البغدادي قول المعتزلة ( أستوي : أستولي ) و ( يده : قدرته ) واصفاً إياه بأنه قول فاسد وباطل ([5]) . بينما هو موجود بكثرة في كتب الأشاعرة المتأخرين .
ولقد رد الجويني على الأشاعرة المتقدمين الذين أثبتوا الصفات الخبرية كالوجه واليدين قائلاً " إذا كنتم أثبتم الصفات الخبرية بظواهر الآيات فيلزمكم أن تثبتوا بقية الصفات كالاستواء والنزول والجنب بظواهر النصوص " ([6]) .
وإثبات الأشاعرة لرؤية الله فيه تنا قضان :
أن الرؤية لا تكون إلا بمقابلة وجهه . يلزمكم إما أن تنفوا أن الله في العلو فيلزمكم معه نفي رؤيته ، وإما أن تثبتوا علوه تعالي كضرورة من أجل إثبات رؤيته وإلا فنقول لكم ما قاله لكم المعتزلة من قبل " من سلم أن الله ليس في جهة وأدعي مع ذلك أنه يُري فقد أضحك الناس على عقله "([7])
والقول برؤية يوهم التشبيه مثله في ذلك مثل الصفات الأخري كالضحك والرجل . فإما أن تثبتوا الكل وإما أن تعطلوا الكل .
اختلافهم حول قيام الحوادث بالله
نقد صفي الدين الهندي في رسالته التسعينية في الأصول الدينية رد فيها على الرازي في مسألة حلول الحوادث بالله حين قال الرازي بان أكثر العقلاء يقولون بقيام الحوادث بالرب وإن أنكروه باللسان .وألزم الرازي الأشاعرة بالتناقض وأنهم يثبتون نسخ الحكم ويثبتون للعلم والقدرة تعلقات حادثة . وصرح إلى أن هذا قول بالحدث في ذات الله . ونقل عنه الحافظ بن حجر أن القول بأن الله يتكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره هو أصح الأقوال عقلاً ونقلاً ([8]).
*وهذه ورطة حبشية فقد قال الأحباش " إن العلماء قالوا : إن من قال إن الله تقوم به الحوادث فهو كافر " ([9]) فهل يحكم الأحباش بكفر الرازي الذي أستحسن الحافظ قوله .
فيا من حكمتم بكفر ابن تميمة لقوله بقيام الحوادث بالله ([10]) : ماذا تقولون في الرازي الذي نصر هذا القول ونسبه إلى العقلاء وحكم على الأشاعرة بالتناقض ؟!
اختلافهم حول أول الواجب على المكلف
*وتناقض الأشاعرة فيما بينهم حول مسألة ( أول الواجب على الملكف ) فبينما يصرح الجويني بوجوب النظر والأشعري بالتوقف في إيمان من لا ينظر : نجد الرازي يرد على الجويني ويصرح في نهاية العقول والشهرستاني في نهاية الإقدام أن معرفة الله فطرية ([11]).
وهذا أيضاً من تناقضهم حيث يقدمون العقل تارة ويؤخرونه أخري . ففي الوقت الذي يوجبون فيه النظر ويجعلونه مصدر عقيدتهم ( فقط لمحاجة المعتزلة ) يتجاهلون ذلك عند مناظرتهم للمعتزلة فيقولون : لا واجب الا بالشرع خلافاً للمعتزلة : بينما يذمون من لا يؤول الصفات ويصفونه بأنه جامد على النصوص لا يستخدم عقله .
*ويجئ الغزالي الأشعري بتناقض آخر فيزعم أن أول الواجب على المكلف : الشك قبل النظر ويقول " إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق . فمن لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في العمي والضلال "([12]) .
على أن الغزالي قال بصحة ايمان المقلد خلافاً للمشهور من مذهب الأشاعرة ، ونقد القواعد الكلامية التي بني عليها المتكلمون أصولهم وأوجبوا بها على جميع المسلمين تعلم علم الكلام فقال " متي نقل عن رسول الله صلي الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم : احضار أعرابي أسلم وقوله له : الدليل على أن العالم حادث أنه لا يخلو عن الاعراض . وما لا يخلو عن الحوادث حادث ([13]).
وحكي تجربته الفاشلة مع علم الكلام ثم قال " لم يكن الكلام في حقي كافياً ولا لمرضي الذي كنت أشكو منه شافياً ولم يكن من كلام المتكلمين الا كلمات ظاهرة التناقض والفساد "([14]).
وبالطبع كانت تجربته لعلم الكلام على مذهب الأشعري لا على مذهب المعتزلة .
انتقادات الجويني للأشعري
وانتقد الجويني أبا الحسن الاشعري في مسألة أزلية كلام الله فذكر بأنه : إذا كان كلام الله أزلياً فكيف يخاطب الله معدوماً بالأوامر والنواهي . وهذا ما جعل الجويني يقول " إن ظن ظان أن المعدوم مأمور فقد خرج عن حد المعقول " فلا شك أن الوجود شرط في كون المأمور مأموراً " ثم ذكر بأن مسألة " أمر بلا مأمور هي معضلة حقاً ([15]) وانتهي إلى التوقف والحيرة .
*وحكي السبكي أن الأشعري له قولان في كلام الله النفسي مرة قال : أن كلام الله النفسي يسمع ومرة قال لا يسمع .
ونقل الشهرستاني عن بعض أهل العلم أن القول بحدوث حروف القرآن وأنه كلام الله مجازاً : قول أبتدعه الأشعري وخرق به الإجماع وهو عين الابتداع .([16])
وقد تناقض الأشاعرة فذهبوا إلى مسمي الكلام وهو اسم لمجرد المعاني واطلاق اللفظ عليه مجاز لأنه دال عليه ، ثم جاء المتأخرون منهم كالرازي والجويني ، فقالوا بأن الكلام يطلق علي كل من اللفظ والمعني بطريق الأشتراك اللفظي ، وهذا لجأوا إليه كمهرب من التناقض الذي وقعوا فيه بينما أهل السنة على أن الكلام يتناول اللفظ والمعني جميعاً عند الإطلاق ، وعند التقييد يراد به هذا تارة وذاك تارة أخري .
*وانتقد الجويني مذهب الأشعري في تجويزه تكليف الله عباده ما لا ييطقون ومنع ذلك . مع أنه كان رجحه في الإرشاد ودافع عنه .([17])
الأشعري عند الجويني جبري
وانتقد الجويني الأشعري في موقفه من أفعال العباد واعتبر مذهبه مختبطاً فقال " ومذهب أبي الحسن مختبط عندي في هذه المسألة فقد لاح سقوط مذهبه في كل تقدير "([18]) .
مع أنه ذكر في الشامل ( 182 ) ولمع الادلة ( 107 ) والارشاد ( 208 ) أنه لا تأثير لقدرة العبد تبعاً للأشاعرة ، ثم رجع في النظامية عن ذلك فأعلن أن " المصير إلى أنه لا أثر لقدرة العبد في فعله : قطع طلبات الشرائع والتكذيب بما جاء به المرسلون "([19]) . فالجويني يلزم شيخه الأشعري بأن كلامه يؤول إلى تكذيب النبي صلي الله عليه وسلم .
*وانتقد الجويني قول الأشعري " كل مجتهد مصيب " فقال " هذا الأصل لا نقول به وهذا أصل باطل بل الحق واحد " " فإن كان كل مجتهد مصيباً فلا يتحقق الترجيح في المجتهدين "([20]) .
*وتناقض الجويني حين نقد استدلال الأشعري إثبات حدث العالم بالنطفة ، فقال " لا يتوقف حدث العالم على إثبات الأعراض ، فإن المقصد يثبت بدون ذلك ([21]) . لكنه لما أخذ يرد على الكرامية في مسألة القول بأن الله جسم " قال " وسبيل الكلام أن يسئلوا عن دلالة حدث العالم ، فإن ترددوا فيها بأن عجزهم عن قاعدة الدين ، فإن السبيل الذي به تتوصل إلى معرفة المحدث : ثبوت الحدث " ومن أصول أدلة حدوث العالم عند الجويني أن الجواهر لا تخلو عن الأعراض " ([22]).
وطريقة الاستدلال بحدوث الأجسام موضع اختلاف بين الأشاعرة فالآمدي ضعف استدلالات الرازي ووافقه على كثير منها الأرموي وقدح الغزالي فيها وكتب الأثير الأبهري كتابه المعروف " تحرير الدلائل بتقرير المسائل " وبين فساد أدلة الاشاعرة في مسألة حدوث العالم وأن الاعراض لا تبقي زمانين إلخ . " فالقواعد العقلية الأشعرية منقوضة من قبل الأشاعرة أنفسهم .
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) مذهب التفويض ص 568 للأستاذ أحمد القاضي .
([2]) أساس التقديس 236 وأنظر مجرد مقالاـ الأشعري 189 .
([3]) صريح البيان 38 الطبعة المجلدة الأخيرة التي زعموا انها الطبعة الأولي .
([4]) الأسماء والصفات 2 / 152 – 152 . تحقيق الأحباش .
([5]) الارشاد للجويني ص 157 و 158 .
([6]) شرح الأصول الخمسة 249 – 253 المغني لعبد الجبار 4 / 139 .
([7]) الأربعين في أصول الدين للرازي 118 وأنظر فتح الباري 13 / 455 .
([8]) شريط مجالس الهدي ( 1 ) رقم ( 550 ) لنبيل الشريف .
([9]) لا يسلم للأشاعرة قولهم إن كل حدث مخلوق ، فإن هذا الخطأ هو سبب ضلالهم في هذه المسألة .
([10]) الأرشاد ص 3 ونهاية الأقدام ص 124 وأنظر ما نقله الحبشي عن الرازي في الدليل القويم ص 25 .
([11]) ميزان العمل 137 دار اكلتاب العربي .
([12]) فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة 150 – 151 .
([13]) المنقذ من الضلال 14 – 17 .
([14]) البرهان في أصول الفقه 1 / 270 – 273 .
([15]) طبقات السبكي محققة 10 / 294 محققة ونهاية الإقدام 313 .
([16]) الشامل 549 البرهان في أصول الفقه 1 / 89 ( فقرة 28 ) وانظر في مقابل النقد والترجيح كما في الأرشاد 226 .
([17]) البرهان في أصول الفقه 1 / 195 – 196 فقرة ( 186 ) .
([18]) العقيدة النظامية 43 و 51 .
([19]) مغيث الخلق 8 – 9 .
([20]) الشامل ص 247 .
([21]) الشامل 411 وأنظر 204 و 209 و 220 .
([22]) هو أبو حجاج يوسف بن محمد بن المعز المكلاتي ( ت : 626 هـ ) من كبار علماء الأشاعرة في بلاد المغرب .
من مواضيعي
0 سلسلة الرد على شبهات دعاة التحزب والانتخابات
0 هنا نجمع كل ما يتعلق بشرح حديث الافتراق((..وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة))
0 جمع كتب وصوتيات في بيان المنهج السلفي ورد التهم حوله
0 الحجج الدقيقة في الرد على من اتهم السلفيين باحتكار الحقيقة!
0 صد العدوان ورد البهتان على من قال : أنتم علماء سلطان
0 خبر عاجل: استشهاد الأخ الجزائري اسماعيل من مدينة واد سوف في دماج
0 هنا نجمع كل ما يتعلق بشرح حديث الافتراق((..وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة))
0 جمع كتب وصوتيات في بيان المنهج السلفي ورد التهم حوله
0 الحجج الدقيقة في الرد على من اتهم السلفيين باحتكار الحقيقة!
0 صد العدوان ورد البهتان على من قال : أنتم علماء سلطان
0 خبر عاجل: استشهاد الأخ الجزائري اسماعيل من مدينة واد سوف في دماج









.gif)

