لست أدري من اين أبدأ وقد بدا لعلمي أن لحوم العلماء مسمومة. فالحدديث عنهم وعن هفواتهم وغفواتهم يعتبر ضرباً من ضروب الجنون ، فأنا العبد الضعيف لا أقوى على دعائهم لو مسهم مني ضر بكلام ، ولا أقدر على الوقوف بوجههم إن أعلنوا النفير وهموا بحرقي على طريقة الجن أو بواسطة رسلهم من الجن ، لكن أود ان أسائلهم وأستلهم من فيض علمهم الغزير ما ينير لي الطريق ويبعدني عن المهالك ويخرجني من جهلي الذي أعيشه ، فلئن طلب شيخ زور بالأمس مناصحتي فأنا اليوم أسعى لشيوخنا طالباً حقي في النصيحة ، وحقي في الإجابة على أسئلة أطرحها من خلال هذه المقالة . أرجوكم قرائي الأعزاء ... فليعذرني من يرى بي هذه الإنهزامية ، فقد اعتدت مقارعة حاكم وملك وحكومة ، أما الشيوخ فلا حجتي تقوى عليهم ولا يقيني وإيماني يماثل يقينهم وإيمانهم ، وهذا يجعلني مرتبكاً ولو كنت محدثاً أحدهم بأمر مشافهة لما جرؤت على الحديث، ولاحمرّ وجهي واضطربت جوانبي وارتعش جسدي أكثر من من عاشق للوهلة الأولى أمام محبوبته ، وأكثر من مجرم أمام قاض بيده حبل المشنقة.
أقول: يا شيوخنا الأعزاء : في أصول الفقه التي تعلمناها على ايديكم ، "أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد ما يحرمها" ، وما يكون من أمر المظاهرات هو مباح للتعبير عن رأي الجمهور والشعب هذا في الظروف العادية ، اما في مثل هذه الظروف الصعبة التي تغزى بها بلادنا فلا أدري إن كانت أقل من فرض حسب حديث اضعف الإيمان " من رأى منكم منكرا فليغيره .....إلى آخر الحديث ..." فماذا ترون يا رعاكم الله ، هذه قاعدة أصولية وحديث صحيح ؟!!!
تعليلكم يا سادة يا شيوخ بأن المظاهرات تلهي عن الذكر والصلاة ، مردود من وجوه عدة ، أولها أن الصلاة تقام في كل مكان ،ويؤمنا حتى الفاجر ولا نعترض "صلوا خلف بر وفاجر" ، وكما تعلمون "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً".
ثم إن المظاهرات اسلوب ليس بالجديد على الأمة وليس بدعة ابتدعها الضلاليون من أمثال "شافيز" ، فكما تعلمون يا أهل العلم أن أول مظاهرة قامت يوم إسلام عمر رضي الله عنه ، حيث قاد أول مظاهرة في الإسلام ليجهر بكلمة التوحيد في طرقات مكة وحول الكعبة ، فماذا تقولون فيها ؟ أليست هذه فوضى أيضاً حسب تعريفكم للفوضى ؟
العالم كله ضج من أجل دماء الأبرياء في غزة ، مسلمهم ومسيحيهم وحتى اليهودي ، وهذا شعور إنساني طبيعي للوقوف في وجه الطغاة المجرمين من حكام سواء في إسرائيل أو في العالم ، فلماذا تنكرون على الإنسان مشاعره؟ ولماذا تقفون في صف الحاكم الطاغية ؟
الآية القرانية الحكيمة والتي هي قول ربنا سبحانه "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم" ما تفسيرها ، وما تعليلكم لها ؟!! مع فارق مهم وهو أن هتافات المظاهرات ليست سوءاً بقدر ما هي لعن للشياطين من الساسة ، وهذه اللعنات تشبه رجم إبليس في الحج غير أنها ليست شعيرة تعبدية، فما رأيكم أصحاب السماحة والفضيلة والقدر الرفيع؟!!!
والله أيها السادة العلماء إنني دخلت كلية الشريعة وتخرجت منها ولم اسمع لشيوخ أفاضل من أمثال الدكتور أحمد نوفل والدكتور ماجد أبو رخية ، والدكتور شرف القضاة وغيرهم ، وها انا أتابع الفضائيات المسمومة وغير المسمومة ولم أسمع شيخاً واحداً يقول برأيكم ، بل إن الحس الإسلامي كله مع أطفال فلسطين ، وكلهم مع مقاومة غزة ، حتى أن ستنا الملكة افتت بأن ما يحدث في غزة من قتل وترويع للآمنين كفر، فما تقولون فيهم يا دام عزكم وفضلكم؟
أتعرفون يا يا سادة : الإمام ابن تيمية لم يكن من شيوخ السلطان ولو أراد لكان ، وهو سيد في العلماء كما تعلمون ، حينما حاجج الصوفيين وكان ساخطاً عليهم ، حاججهم لأنهم في زمن الجهاد حملوا الدف ، ولأنهم تخلوا عن أمتهم وهي في أمس الحاجة لكل فرد فيها ، وهل ترون أنا بأحوج من هذا الزمان للخروج على صعيد واحد لنصرة أهلنا في فلسطين؟!
لست هنا بمتقول وأنتم تعلمون الفتوى المجمع عليها عند أهل السنة والجماعة ، وهي "أنه إذا احتل شبر من أرض المسلمين صار الجهاد فرض عين على كل مسلم ، حتى المرأة تخرج بغير اذن زوجها ، والعبد يخرج بغير إذن سيده ...، الخ..." فما رأيكم يا من طابت لياليهم وحسنت أحوالهم ؟!!
ما رايكم بحديث نبينا حينما وقف أمام البيت الحرام وقال فيه: عن عبد الله بن عمر رضيالله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: ( ما أطيبكوأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند اللهحرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً ) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألبانيفي صحيح الترغيب.
يا سادتنا من شيوخ وعلماء ، الأدلة كلها تقول بنصرة أهلنا وإخوتنا في غزة ، والأدلة بكل تأويلاتها تدعونا للوقوف في صفهم ، ولو كنتم رفضتم المظاهرات ودعوتم أولياء الأمر لتحريك جيوشهم لنصرة إخوانهم في غزة لقلنا ربما عندكم بعض حق فيما تقولون ، لكن طرحتم فتوى هزيلة دون تقديم أي دليل عليها ، وأردتم للأمة أن تنظر إلى مجزرة يذبح فيها البشر كالخراف ولا تقول حتى كلمة تخفف عن المكلومين مصابهم وتؤازرهم .
يا علماءنا ... أجيبوني بالله عليكم ، ما هو البديل برايكم ...؟!!!
رحم الله العز بن عبدالسلام ، لقد باع نفسه لله فباع ملوك مصر من المماليك ، وغفر الله لكم فقد طلبتم الجاه على أبواب الحكام فزادوكم ذلاً وهواناً حتى لم يعد بمقدوركم أن تصدروا فتوى واحدة دون الرجوع إليهم.
وكم كان سيد قطب –يرحمه الله – شجاعاً حينما جاءه مفتي مصر يلقنه الشهادة قبل إعدامه ، فيقول له " نحن نموت من أجلها وأنتم تأكلون بها خبزاً"
أيها الشيوخ ... لقد آمن السحرة حينما رأوا معجزة موسى عليه السلام وكفروا بفرعون ... أما آن لكم أن تؤمنوا وقد بدت للعالم معجزة غزة الصامدة وتكفروا بالحكام العملاء...؟ !!!
ايه يا سادة ... ماذا بقي من ماء الوجه ...؟ أتراكم تحسون بعد هذا كله ...؟

ألا تكفي هذه الدموع لإعلان النفير ؟!!!
تباً لكم يا علماء السلطان ... هل ماتت قلوبكم وشلت عقولكم ؟!
منقول