رد: التفسير الحق لـ قوله تعالى " يد الله فوق أيديهم "
09-11-2009, 04:32 PM
قال الإمام القرطبي عند تفسير قوله تعالى [ المائدة : 64 ] : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ } :
وَالْيَد فِي كَلَام الْعَرَب تَكُون لِلْجَارِحَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا " [ ص : 44 ] هَذَا مُحَال عَلَى اللَّه تَعَالَى.
وَتَكُون لِلنِّعْمَةِ ; تَقُول الْعَرَب : كَمْ يَد لِي عِنْد فُلَان , أَيْ كَمْ مِنْ نِعْمَة لِي قَدْ أَسْدَيْتهَا لَهُ.
وَتَكُون لِلْقُوَّةِ ; قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " وَاذْكُرْ عَبْدنَا دَاوُد ذَا الْأَيْد " [ ص : 17 ] , أَيْ ذَا الْقُوَّة وَتَكُون يَد الْمُلْك وَالْقُدْرَة ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " قُلْ إِنَّ الْفَضْل بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء " [ آل عِمْرَان : 73 ] .
وَتَكُون بِمَعْنَى الصِّلَة , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا " [ يس : 71 ] أَيْ مِمَّا عَمِلْنَا نَحْنُ , وَقَالَ : " أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَة النِّكَاح " [ الْبَقَرَة : 237 ] أَيْ الَّذِي لَهُ عُقْدَة النِّكَاح.
وَتَكُون بِمَعْنَى التَّأْيِيد وَالنُّصْرَة , وَمِنْ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( يَد اللَّه مَعَ الْقَاضِي حَتَّى يَقْضِيَ وَالْقَاسِم حَتَّى يَقْسِمَ ).
وَتَكُون لِإِضَافَةِ الْفِعْل إِلَى الْمُخْبَر عَنْهُ تَشْرِيفًا لَهُ وَتَكْرِيمًا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يَا إِبْلِيس مَا مَنَعَك أَنْ تَسْجُد لِمَا خَلَقْت بِيَدَيَّ " [ ص : 75 ] فَلَا يَجُوز أَنْ يُحْمَل عَلَى الْجَارِحَة ; لِأَنَّ الْبَارِيَ جَلَّ وَتَعَالَى وَاحِد لَا يَجُوز عَلَيْهِ التَّبْعِيض , وَلَا عَلَى الْقُوَّة وَالْمِلْك وَالنِّعْمَة وَالصِّلَة , لِأَنَّ الِاشْتِرَاك يَقَع حِينَئِذٍ . بَيْن وَلِيّه آدَم وَعَدُوّهُ إِبْلِيس , وَيَبْطُل مَا ذُكِرَ مِنْ تَفْضِيله عَلَيْهِ ; لِبُطْلَانِ مَعْنَى التَّخْصِيص , فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تُحْمَل عَلَى صِفَتَيْنِ تَعَلَّقَتَا بِخَلْقِ آدَم تَشْرِيفًا لَهُ دُون خَلْق إِبْلِيس تَعَلُّق الْقُدْرَة بِالْمَقْدُورِ , لَا مِنْ طَرِيق الْمُبَاشَرَة وَلَا مِنْ حَيْثُ الْمُمَاسَّة ; وَمِثْله مَا رُوِيَ أَنَّهُ عَزَّ اِسْمه وَتَعَالَى عُلَاهُ وَجَدّه أَنَّهُ كَتَبَ التَّوْرَاة بِيَدِهِ , وَغَرَسَ دَار الْكَرَامَة بِيَدِهِ لِأَهْلِ الْجَنَّة , وَغَيْر ذَلِكَ تَعَلُّق الصِّفَة بِمُقْتَضَاهَا .انتهى
و قال الحافظ في الفتح ( باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) :
و اليد في اللغة تطلق لمعان كثيرة اجتمع لنا منها خمسة وعشرون معنى ما بين حقيقة ومجاز :
الأول : الجارحة
الثاني : القوة نحو (داود ذا الأيد)
الثالث : الملك (أن الفضل بيد الله)
الرابع : العهد (يد الله فوق أيديهم) و منه قوله " هذي يدي لك بالوفاء "
الخامس : الاستسلام والانقياد قال الشاعر " أطاع يدا بالقول فهو ذلول "
السادس : النعمة قال " وكم لظلام الليل عندي من يد "
السابع : الملك (قل إن الفضل بيد الله)
الثامن : الذل (حتى يعطوا الجزية عن يد)
التاسع : (أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح)
العاشر : السلطان
الحادي عشر : الطاعة
الثاني عشر : الجماعة
الثالث عشر : الطريق، يقال أخذتهم يد الساحل
والرابع عشر : التفرق " تفرقوا أيدى سبأ "
الخامس عشر : الحفظ
السادس عشر : يد القوس أعلاها
السابع عشر : يد السيف مقبضه
الثامن عشر : يد الرحى عود القابض
التاسع عشر : جناح الطائر
العشرون : المدة، يقال لا ألقاه يد الدهر
الحادي والعشرون : الابتداء يقال لقيته أول ذات يدي، وأعطاه عن ظهر يد
الثاني والعشرون : يد الثوب ما فضل منه
الثالث والعشرون : يد الشيء أمامه
الرابع والعشرون : الطاقة
الخامس والعشرون : النقد نحو: بعته يدا بيد.انتهى
فهذه معاني اليد في كلام العرب و ليس فيها معنى اليد اذا أضيفت لله كما يدّعي المُخالف معرفته !!! و من نسب لله اليد على المعنى اللّغوي الحقيقي أي الجارحة فقد وقع في التجسيم و لا مناص له بعد ذلك ، اذ هو يثبت لله اليد بمعنى الآلة و الأداة !!! و قوله بعد ذلك : " الكيف مجهول " !!! ليس الاّ نفيٌ لمعرفة هيئة و شكل اليد مع اثبات المعنى الذي استعمل له اللّفظ أصالة.
نسأل الله العافية